الغاية من السفر الفردي

إحدى أكبر التحديات التي تواجه السفر الفردي هي اتخاذ قرار بحجز رحلتك وحزم حقائبك. هناك الكثير من التصورات المسبقة التي يعتقدها الكثيرون حول السفر الفردي. ولكنه -وحسب تجربتي الحالية- مختلف تماماً عما يتخيله معظم الناس. مجموعة من تلك التصورات تتعلق بنا نحن فقط، الإناث. لا يمكنني إخبارك عن عدد المرات التي سُئلت فيها “ألا تخافين؟”، “هل الأمر آمن؟”. وعليّ حينها أن أسرد الكثير من الأسباب. أو على الأقل تطمين والدتي والتأكيد بأن هناك أصدقاء ينتظرونني في مكانٍ ما. نعم، قد أكون كاذبة -أحياناً- في هذه النقطة. لكنه أفضل من أجعل سيّدة فاضلة تقلق عليّ فيما أمارس حياة طبيعية.

قبل أن أكمل، دعنا نتفق على أمر واحد، لست هنا لأقنعك بأي شيء. إنني أذكر الأسباب الشخصية التي دفعتني إلى السفر الفردي. والذي غيّر كثيراً في حياتي بشكلٍ أو بآخر. ولا يعني هذا أن السفر الفردي سيُحدِث التغيير ذاته. ولا يعني أيضاً أنه -بالضرورة- سيقلِب حياتك رأساً على عقب!. كان مغامرة جميلة، أردت تجربتها منذ سنواتٍ طويلة. غيّر حياتي بشكل كبير. وكان أعظم هدية أهديتها لنفسي.. وكما كان الأمر بالنسبة لي وسيدات أخرياتٍ أيضاً، تمكيناً للقدرات، وتجربة رائعة ممتعة.

لماذا أفضل السفر الفردي

السفر الفردي يمنحك حرية كاملة

ماذا أريد أن آكل. ما الأنشطة التي أريد القيام بها اليوم. كيف سأقضي يومي. هل سأستيقظ مبكراً أم أتناول إفطاري وأعود للنوم؟. كل هذه الخيارات يتيحها لك السفر الفردي. الشعور بالحرية هنا أمر لا يمكن إغفاله بأي شكل. قد تضيع وتتوتّر في فترة مرة. خاصة إن كنت تسافِر طوال عمرك مع عائلتك، أو أطفالك، أو أصدقائك. ويكون عليك في هذه الحالة أن تسير مع “الجميع” وأن تفكّر فيما يناسب الكل. وربما ستكون سفرياتك كلها من أجل الصغار، كما حدث لي في مراتٍ كثيرة. والذي يعني أن علينا جميعاً أن نتكيّف مع بعضنا البعض، فيما يتعلق بما سنقوم به خلال اليوم.

مع السفر الفردي، كنت قادرة على أن أكون أنانية في أوقاتٍ كثيرة!. أن تكون قادراً على فعل ما تريد عندما تريد هو شيء لا يتم تقديره في كثير من الأحيان. عندما يتعلق الأمر بالسفر الفردي، يمكنك اختيار ما إذا كنت ترغب في النوم، أو ملء يومك بالأنشطة أو مكافأة نفسك بالمشي والضياع في مدينة أو قرية جميلة. إضافة إلى أنه غالباً ما يرتبط السفر المنفرد بالسفر على المدى الطويل. وإذا كان هذا خياراً لك، فإن القدرة على تعديل مسارك لمجرد أنك تريد الذهاب إلى مكان ما، هي تجربة رائعة.

الأمر الوحيد السيء حين تسافر وحيداً أنك لا تجد أحداً لتلومه على تفويت الطائرة، أو أنك ركبت قطاراً خاطئاً. وفي هذه المواقف ستتعلم الكثير عن نفسك. وعليك أن تتأقلم كثيراً لأن تكون وحيداً في مكانٍ ما. وفي كثير من الأحيان لا يمكنك مشاركة المناظر الجميلة مع شخصٍ عزيز.

travel guide and essentials

السفر المنفرد سيجعل منك خبيراً بالتخطيط

تذكر أن تخصص أياماً للراحة في خط سير الرحلة. قد تعتقد أنه يمكنك القيام بالكثير خلال رحلتك، لكن جسدك سيعترض على هذه الفكرة. لا تقم بعمل كل شيء في هذه الرحلة… الخ. هل تذكر توصياتي هذه عندما تحدثت عن ترتيبات السفر، وموضوعات أخرى؟. حسناً.. اطّلع عليها حينما تنتهي من قراءة هذه التدوينة 🙂

السفر الفردي يعني أنك ستعتمد على نفسك بالكامل. ذكرت هذا في الأعلى. ولكن الوقت الذي تقضيه في البحث عن المسافات التي ستقطعها من محطة إلى أخرى، أو بين مكان إقامتك ومحطة الحافلات، وما هي أفضل طريقة للوصول إلى جزيرة تريد زيارتها، سيجعل منك سيد التخطيط لرحلاتك. وستنتقل هذه المهارة إلى مجالات أخرى في الحياة. ستجد أنك تدير وقتك بشكل أفضل على الصعيدين المهني والشخصي، مع معرفتك بمَ يستحق وقتك أم لا.

ستلتقي أشخاصاً كُثر!

لكثير من الناس، قد تبدو فكرة السفر الفردي أنك ستكون وحيداً طوال الوقت. لكنه مذهل حقيقة عدد المرات التي ستقابِل فيها مسافرين منفردين. ومن الطبيعي والعادي جداً أنك ستبدأ في الحديث معهم، وربما قضاء وقت جيد أيضاً. هناك فضول حول السفر الفردي، وعادة ما يكون الناس أكثر ميلاً إلى مد يد العون ولعب دور في مغامرتك. تكرر هذا الأمر كثيراً خلال سفري على الرغم من الحواجز اللغوية والاختلافات الثقافية. تذكرون السيدة “إيما” التي ساعدتني في شلالات بيسوبيسو؟. هناك أيضاً العديد من الأشخاص الذين يرغبون في معرفة المزيد عنك، وسيريدون التأكد من شعورك بالترحيب في مدينتهم. هذا النوع من التجارب التي ستُثري رحلاتك حقاً وتعيد إيمانك بالأشخاص.

وأكبر الأسباب التي تجعلني أفضّل السفر الفردي هو أنني أجد أن لدي المزيد من الوقت لأرى كل الأشياء التي تهمني، وأن أقوم بها، كما أنها وسيلة رائعة للقاء أشخاص جدد. ستندهش من مدى رحابة صدر المسافرين المنفردين الآخرين. هناك شعور متبادل بـ”إننا جميعاً في هذا الأمر معاً”. وهذا ما يجعل حتى أكثر الأشخاص انغلاقاً على ذاتهم قادرين على تكوين صداقات خلال الرحلة. وشخصياً، لا أزال على تواصل جيّد مع أشخاص يمكنني تسميتهم أصدقاء في دول متفرقة. Stan الذي قابلته في لاوس، ثم روز التي قابلتها في سومطرة، ومجانين آخرين التقيتهم في فيتنام، والجميلة Piggy التي قابلتها في تشاينغ ماي..

السفر الفردي سيزيد من ثقتك في نفسك

كما قلت سابقاً؛ أصعب قرار تتخذه عند السفر بمفردك هو حجز رحلة وتعبئة حقيبة السفر. حتى تلك الخطوة الأولى من قرارك ستشعرك بالقوة بشكل أو بآخر. من هنا، كلما سافرت بمفردك كلما زادت ثقتك بنفسك. حتى على الرغم من أن جميع ترتيبات السفر والأمور الأخرى المتعلقة به ستقع على عاتقك. لن يهمك كل ذلك، فإن كل المتعة الناتجة عن هذا العمل الشاق قد تعود عليك برحلة لا تُنسى. حتى وإن كانت رحلة غير ناجحة (هل هناك شيء كهذا؟) فسيكون أمراً جيداً لتتعلم منه.

من المؤكد أن تصوّرك حول مغامراتك في جميع أنحاء أوروبا قد تكون فكرة مخيفة. مررت بالأمر ذاته في السنة الماضية. ومازالت الفكرة تخيفني كلما عدت إلى ترتيبات رحلتي إلى دول أمريكا الجنوبية. يسألني الكثيرون في المدونة أو على تويتر إن كنت أخاف خلال سفري. وأجيب: أحياناً، في مواقف مختلفة.. وهذا ما يندرج تحت خروجي من منطقة الراحة المعتادة. لقد منحتني هذه الرحلة دفعة هائلة من الثقة، إلى جانب الشعور بأنه يمكني فعل أي شيء. الخطوة الأولى؟ اختر مكاناً تحلم بزيارته دائماً، وفقط، اذهب!.

ستكون مسؤولاً عن ترفيه نفسك!

خلال السفر الفردي، ستكون وحدك المسؤول عن ترفيه نفسك. وعليك أن تعرف ما الذي يجب عليك فعله خلال اليوم. وفي الحقيقة، لا يمكنك تخيّل كم ستكون مبدعاً في هذا الأمر. قد يتكرر هذا الأمر خلال السفر، خاصة إذا فاتتك حافلة مابين وُجهتين، وكنت في منطقة لم تخطط لم. أو تجد نفسك تحاول ترتيب نشاط لا يتم تقديمه عادةً للسائحين في وجهة غير عادية. وهذا الأخير يتكرر مع كثيراً، خاصة وأنني أحرِص على السفر إلى مناطق غير معتادة. أضِف إلى ذلك أن أجمل التجارب غالباً ما تكون نتيجة غير متوقعة!. في النهاية، ستتعلم مع الأيام أن تسترخي وتستفيد من أي موقف.

كما أنه غالباً ما يصرف انتباهك عن الجمال الذي يحيط بك بمرافقيك. إنها في تلك اللحظات الهادئة، مثل الاستمتاع بنزهة على نهر السين في يوم ربيعي بارد. سيتاح لك حقاً تقدير الوقت الذي تعيشه الآن. ستكون حاضراً وتستمتع بوقتك مهما كان الموقف الذي أنت فيه. فغالباً عندما تسافر مع أحدٍ ما، مهما كنتما أو كنتم متوافقين، فإنك ترى العالم، جزئياً، من خلال عيون رفيقك. ينقسم انتباهك بين تجربتك، والمكان، ومشاعر رفيق سفرك حول المكان. لن يكون تركيزك مقسّماً عندما تسافر بمفردك. ويمكنك أن تكون أكثر انخراطاً وأكثر اهتماماً بالمكان الذي أنت فيه.

السفر الفردي للتفكير وفِهم نفسك أكثر

لقد تعلمت الكثير عن نفسي وعن الآخرين في السنوات الماضية التي سافرت فيها وحيدة. أكثر حتى مما كنت أتعلم في الفصول الدراسية، أو حين أقرأ كتباً. يوفر لك السفر الفردي مساحة لتقييم جميع الأشياء الكبيرة (والأشياء الصغيرة) في الحياة. الوقت والمساحة التي يوفرها لك السفر الفردي والتنقل من مكانٍ لآخر وحدك يمنح عقلك الكثير من الهدوء. لا يمكنك إلا أن تبدأ في التفكير في حياتك، وما الذي قمت به، وما الذي تريد تحقيقه، وما الذي يُشعِرك بالأمان. وهو ما يتيح لك منظوراً جديداً للحياة.

“أعتقد أنه من الجيد جداً قضاء بعضٍ من الوقت وحدك. عليك أن تعرف كيف تكون بمفردك، دون أن يتم الحكم عليك من قِبل شخص آخر.” – أوسكار وايلد

ولكن ماذا علي أن أفعل بنفسي ومع نفسي؟. تساءلت كثيراً قبل بدء رحلتي العام الماضي. وخفت أكثر قبل الانخراط في أيام التأمل العشر في تايلاند. لا تخف.. هناك اعتقاد شائع بأن السفر المنفرد قد يكون في حقيقته مملاً. في الواقع، إنه عكس ذلك تماماً. كيف؟ يعتبر السفر الفردي بعيداً عن صخب الحياة اليومية حدثاً نادراً، إنه وقت تعيد فيه الاتصال بنفسك. إن الوقت الذي تقضيه خلال اليوم يعرّفك بنفسك كشخص. الأمر بسيط للغاية، هل يتكرر ذهابك إلى المتاحف؟ أم أنك تبحث دائماً عن أقرب فرصة للغطس؟ أم تجد متعة كبيرة بالجلوس في المقهى ومراقبة الآخرين؟.. الأمر كله يتعلق بمعرفة المزيد عن هويتك.

سيكون من السهل التحكم ومتابعة مصروفاتك الشخصية

قد يفضل رفيقك في السفر طريقة أكثر راحة ومكلفة في السفر. وفي أحيانٍ أخرى يكون من غير المألوف أن تعتذر وتقول “إنها مكلفة للغاية بالنسبة لي. وهذا ما لا أحبه عندما أسافر مع أحد من الأصدقاء. وغالباً ما أخبرهم مسبقاً عن ميزانيتي في السفر. أو ما الذي أبحث عنه في الحقيقة في هذه الرحلة. من جهة، تبقى أمور أخرى مزعجة هنا، مثل تقاسم فاتورة العشاء، أو إقراض رفيق سفرك بعضاً من النقود، وتقسيم ميزانيتك. كل هذه الأمور المزعجة، تجعل من السفر المنفرد حلاً سهلاً ومريحاً للغاية! فهو يجعل المهمة العملية المتمثلة في تحديد ميزانية الرحلة أسهل. ومن جهة، يوفر مساحة أكبر للمرونة في التخطيط لرحلتك حتى تتمكن من استكشاف أمور كثيرة خلالها.

لقد فعلتها.. وحدك. وبنفسك!

أؤمن بشكل كبير، أن على كل فتاة تجربة السفر الفردي، على الأقل مرة واحدة في حياتها. قد لا يكون السفر حول العالم أو السفر بشكل عام من ضمن اهتماماتك الشخصية، لكن، من المهم تجربة أشياء جديدة. وقبل كل شيء، أن تكون كل أنثى فرداً مستقلاً ومعتمِدة على ذاتها. أؤمن بأهمية ذلك كثيراً، لذلك أردته لنفسي مذ كنت في الثامنة عشر. وأزرعه منذ سنوات في قلب ابنتي، دانة، التي أراها الآن أكثر شجاعة مما توقعت.

مازلت أذكر أول رحلة دولية كنت فيها وحدي، في الثامنة عشر. حسناً، لم تكن إلى مكانٍ جديد، كانت إلى ماليزيا. لكن فكرة العبور من مكاتب الجوازات، ثم حمل حقيبتي “وحدي”، كانت مربكة لفتاة لم تكن تسير في شوارع السعودية وحدها أبداً. هذا المزيج من التجربة، وتعزيز الثقة والشعور بالإنجاز، سيُشعِرك أنكِ أكثر صلابة. وإحساسك العميق بالاستقلالية، والاستكشافات التي تقع عليها عينك سيجعل منك مدمنة للسفر. ستجدين نفسك لا إرادياً تراقب صفقات السفر، مما يجعلك على استعداد للخروج من حدود راحتك أكثر بكثير!

النقطة الأخيرة.. 

قد لا تعرف هذا الأمر، حتى وإن كنت صديقاً مقرباً. ومن الطبيعي جداً ألا يكون من ضمن اهتماماتك.. لقد حرصت على السفر الفردي لأختبر نفسي والاكتئاب الذي يلازمني منذ سنوات. هل خَفَت أم زاد؟ الاثنين معاً.. السفر الفردي ليس حلاً للأوجاع، لكنه يخففها على الأقل. منحني فرصة كبيرة للتعرف على أعراض الاكتئاب التي أمرّ بها. وعرّفني على وسائل كثيرة للتغلب عليها..