بدأت في فبراير العام الماضي إرسال نشراتٍ بريدية متخصصة في السفر وتطوير أساليب الحياة. كانت ضمن إحدى محاولاتي “لإعطاء الحياة معنى“. أعني هنا عَيش حياة ذات معنى، والتي كانت ضمن المحاولات المُستميتة للتغلب على صعوبات الاستقرار في كوالالمبور -مرة أخرى- خلال أزمة كوفيد19. في المقابل، كانت فترة جيدة للتفكير في أهمية الأشخاص المحيطين بي، والذين يشكّلون جزءاً كبيراً من المجتمع الذي نختار أن نعيش فيه. توقّفت النشرة البريدية مع انشغالي بالكتابة في موضوعاتٍ ومواقع أخرى. وفي الحقيقة، كانت القراءة والاطلاع المركّزين على السفر محبِطاً لي تلك الفترة.

مصادفة، وقعت عيني على هذه المقالة، بعنوان: Want a meaningful life? Just ask: “Who would I take to a remote island?”. سألت ليلتها نيكولاس السؤال ذاته، وكعادته، أجاب: أنتِ!. كررتُ السؤال مرة أخرى، مطالِبة بإجابة بعيدة عن الهراء. ولا أذكر إن كرر نفس الإجابة هذه المرة. أما أنا؛ فهذا السؤال غير جديد أبداً، سألته نفسي قبل سنوات، ولكن إجابتي كانت خيالية طبعاً. إجابتي الحقيقية؟ اممم أحتاج إلى وقتٍ أكثر للتفكير.

لازالت مقالة الفيلسوف الدكتور فرانك مارتيلا (Frank Martela PhD) عالقة في ذهني، وأعود إليها كلما تذكّرت السؤال. وأحببت ترجمتها لكم في هذه التدوينة. 

دخل فيلسوف إلى حانة، وسألته ذبابة، “ما معنى الحياة؟”

هذا الفيلسوف هو أنا، وهو سؤال لا مفر منه بمجرد أن يكتشف الناس أنني فيلسوف، وباحث في علم النفس متخصص في دراسة معنى الحياة. لقد سُئلت هذا السؤال مراتٍ كافية جعلتني جاهزاً بإجابة من جملة واحدة. سأشرح أولاً أن الأمر لا يتعلق بمعنى الحياة، ولكن معنى الحياة قبل أن ألقي الإجابة الحاسمة. ويتكون من جزأين.

أولها ما يلي: المعنى في الحياة هو أن تكون لِذَاتك مغزىً للآخرين.

بكل بساطة. تصبح حياتك ذات مغزى بالنسبة لك عندما تكون ذات مغزى للآخرين: من خلال مساعدة صديق، من خلال مشاركة لحظة خاصة مع شخص تحبه، أو من خلال التواصل مع فيلسوف حسن النية من خلال شراء البيرة التي تشتد الحاجة إليها.

بعد ذلك، عندما نشعر أن حياتنا ذات مغزى للآخرين، نكون قادرين على رؤية القيمة في حياتنا. قد يكون الكون صامتاً، لكن أصدقاءنا وعائلتنا وزملائنا ومجتمعنا يملأون حياتنا بأصواتهم وطاقتهم وحيويتهم. والأشخاص الذين نعتبرهم أكثر أهمية هم أولئك الذين يهتمون بنا كثيراً. كما جادل الفيلسوف أنتي كوبينن (Antti Kauppinen)، إنه لا بديل عنّا لأولئك الذين يحبوننا: على الرغم من أنه يمكن لأي شخص شراء هدية لطفل معين، “لن يكون لها نفس أهمية الهدية المصنوعة يدوياً من أحد الوالدين”. نلعب في العلاقات الوثيقة دوراً فريداً لا يمكن الاستغناء عنه للشخص الآخر في كثير من الأحيان بمجرد التواجد هناك.

الحاجة إلى الانتماء

إذا كنا نعرف أي شيء عن الطبيعة البشرية، فنحن حيوانات اجتماعية. في “الحاجة إلى الانتماء“، وهو مقال مراجعة مؤثر نُشر في مجلة Psychological Bulletin في عام 1995، قدّم الأستاذان Roy Baumeister و Mark Leary ادعاءً أصبح منذ ذلك الحين أطروحة مقبولة على نطاق واسع، ويبدو أنها واضحة في علم النفس: “الحاجة إلى الانتماء هي دافع بشري أساسي“. لقد تطوّرنا لنعيش في مجموعات ونعتني ببعضنا البعض؛ إن غريزة بناء علاقات اجتماعية قوية تكمن في أعماق إنسانيتنا.

ومع ذلك، فإن طبيعتنا الاجتماعية تتعدى مجرد الاهتمام بالآخرين. من طبيعتنا أن يكون لدينا، كنقطة لحياة المرء، ليس “أنا” بل “نحن”. وصف علماء النفس العلاقة الوثيقة بأنها حالة من “تضمين الآخر في الذات”. في الواقع، أظهرت الأبحاث العصبية أن التفكير في الذات والتفكير في أحد الأحباء ينشّط مناطق معينة في الدماغ لا يتم تنشيطها عند التفكير في شخص غريب. تم توصيل الدماغ ليكون اجتماعياً، والبشر مصممون ليعيشوا مع الآخرين.

كما أوضح الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي (Maurice Merleau-Ponty) بشكل جميل: “نحن متعاونون مع بعضنا البعض في المعاملة بالمثل. تندمج وجهات نظرنا مع بعضها البعض، ونتعايش من خلال عالم مشترك”. على الرغم من أننا في ثقافتنا الفردية الغربية قد اعتدنا على رسم حدود واضحة بشكل خاص بين الذات والآخر، فإن القدرة على الانفصال عن الآخرين هي إنجاز ثقافي وليس طريقتنا النموذجية في الوجود.

رفاهيتنا هي من رفاهية مَن حولنا

إننا نهتم برفاهية المقربين منّا بقدر اهتمامنا برفاهيتنا. في بعض الأحيان، كما في حالة كوننا آباء، قد نهتم برفاهية الطفل أكثر من رفاهنا. بغض النظر عن المجال العلمي الذي نوجه نظرنا إليه -علم الأحياء، والبحوث العصبية، والبحث التطوري، وعلم النفس الاجتماعي، والاقتصاد السلوكي، وحتى أبحاث الرئيسيات- نجد دليلاً على حاجتنا إلى تكوين علاقات وثيقة ورعاية مع الآخرين، وكيف في هذه العلاقات، تبدأ الحدود بين الذات والآخر في التلاشي.

تُظهر الأدلة الوافرة أن الترابط هو، في الواقع، مصدر رئيسي للمعنى بالنسبة لنا. عندما طلب الباحث ناثانيال لامبرت (Nathaniel Lambert) من جامعة ولاية فلوريدا مجموعة من الطلاب الجامعيين، على حد تعبيره، “اختيار الشيء الوحيد الذي يجعل الحياة ذات مغزى بالنسبة لك”، قام ثلثا المستجيبين إما بتسمية فرد معين من العائلة أو الاستشهاد، بشكل عام أكثر، بأسرهم. كفئة، جاء “الأصدقاء” في المرتبة الثانية كمصدر للمعنى الأكثر ذِكراً.

حصل مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) في الولايات المتحدة على نتائج مماثلة عندما طُلب من 4000 أمريكي أن يصفوا بتعابيرهم الخاصة ما يمنحهم إحساساً بالمعنى: ذكر 69 بالمائة العائلة و 19 بالمائة ذكروا أصدقاء.

أظهرت أبحاث أخرى بالمثل أن شعور أحدنا بالقرب من عائلته وأصدقائه يرتبط بإحساس أفضل بمعنى الحياة، والتفكير في الأشخاص “الذين تشعر أنك تنتمي إليهم حقاً” يؤدي إلى درجات أعلى من المعنى. تُعتبر الأسرة والأصدقاء والعلاقات الحميمة الأخرى، بالنسبة للعديد من الأشخاص، مصادر رئيسية للجدوى في حياتهم.

يؤدي الاستبعاد الاجتماعي إلى الشعور بانعدام المعنى

والعكس صحيح أيضاً: فكونك مستبعدٌ اجتماعياً يؤدي إلى الشعور بانعدام المعنى. على سبيل المثال، قام الباحث تايلر ستيلمان (Tyler Stillman) وزملاؤه بتجنيد مجموعة من الطلاب للمشاركة في دراسة يُزعم أنها عن الانطباعات الأولى. سجل 108 طالباً بأنفسهم بضع دقائق من الفيديو وهم يقدمون أنفسهم. ثم تم افتراض عرض الباحثين مقاطع الفيديو هذه على طلاب آخرين وسألوا عما إذا كان أي شخص يريد مقابلة صانعي الفيديو أم لا؛ قيل لهم إن لا أحد يريد مقابلتهم. (في الواقع، لم يشاهد أحد مقاطع الفيديو؛ أخبر الباحثون ببساطة صانعي الفيديو أنه تم رفضهم).

لم تكن نتائج الدراسة مفاجئة: صنّف صانعو الفيديو حياتهم على أنها أقل أهمية من مجموعة أخرى نجت من تجربة الإقصاء الاجتماعي هذه. لكننا لسنا بحاجة إلى بحث لإخبارنا أن لقاء أشخاص آخرين هي مصدر رئيسي للمعنى. بصفتي أباً لثلاثة أطفال صغار، لا يتعين عليّ النظر بعيداً لمعرفة اللحظات الأكثر أهمية في حياتي اليومية -العودة إلى المنزل بعد العمل، وأخذ أصغر طفل في حضني، والانخراط في بعض المصارعة القاسية مع الطفل البالغ من العمر خمس سنوات، وإجراء محادثات مثيرة للدهشة، إن لم تكن ذكية، مع الطفل البالغ من العمر سبع سنوات. لحظات كهذه حميمة ومهتمة ومليئة بالدفء وهي في الواقع ذات مغزى كبير.

كذلك، أيضاً، هي اللحظات الخاصة التي أشاركها مع شريكي/شريكتي، عندما لا يطلب الأطفال انتباهنا، ويمكننا أن ننظر في أعين بعضنا البعض ونتذكر ذلك، نعم، هذا هو الشخص الذي أحببته طوال تلك السنوات الماضية. قد تبدو عاطفياً، حين تستمر القائمة -الأصدقاء القدامى، والزملاء، ووالدي، والأشقاء، والعائلة الممتدة- كما أنني متأكد من أن المحيطين بك يفعلون ذلك أيضاً.

العصر الحديث والفردانية

في العالم الحديث، لحسن الحظ، هناك أيضاً خيارات لا تعدّ ولا تحصى للأشخاص الذين لديهم صِلات وعلاقات قوية ببعضهم البعض دون الحاجة بالضرورة إلى الاقتراب من “العائلة”. مجموعة من أصدقائي، على سبيل المثال، الذين قرروا عدم إنجاب الأطفال يعيشون بدلاً من ذلك في مجموعة مع أفراد آخرين متشابهين في التفكير. شعر عدد قليل من اللاعبين في فريقي لكرة القدم بالالتزام الشديد تجاه مجتمعنا الرياضي لدرجة أنهم حصلوا مؤخراً على وشم لشعار فريقنا. يكرس بعض الزملاء أنفسهم لأنشطة الحي، ويتطوعون بوقتهم وشغفهم ومواردهم لجعل حيهم أكثر نشاطاً وتركيزاً على المجتمع. 

يكمن جمال العصر الحديث بحريّتنا في اختيار مصادر المعنى الأكثر ارتباطاً بحياتنا. لسوء الحظ، كما هو الحال مع الكثير من الحداثة، فإنها نعمة ونقمة في نفس الوقت. العلاقة بين العصر الحديث والفرادنية بإحساسنا بالمجتمع والانتماء معقدة. قد تتراجع بعض أشكال المجتمع بينما يبدو أن الأشكال الأخرى آخذة في الازدياد. ربما نكون قد فقدنا مجتمعات أسلافنا القريبة مدى الحياة، لكننا اكتسبنا فرصة للانضمام طوعاً إلى المجتمعات حيث يمكن لشخصيتنا أن تزدهر مع الأشخاص الذين يشبهوننا في التفكير. 

ومع ذلك، إذا أردنا أن نجعل حياتنا أكثر وضوحاً -وحياة أطفالنا وأحفادنا- فنحن بحاجة إلى العمل معاً لتقوية أشكال المجتمع المتاحة لنا. المعنى يدور حول التواصل. غالباً ما تكون أفضل وأسهل طريقة لتحسين إحساسك بالرفاهية والجدوى عن طريق قلْبِ العدسة: ركز أقل على نفسك وأكثر على التواصل مع الآخرين.

مَن ستأخذ معك؟

قبل بضع سنوات من أن يصبح سيباستيان فيتيل (Sebastian Vettel) أصغر بطل عالمي في الفورمولا 1 -وبطل لاحق أربع مرات- أعطاه طبيبه آكي هنتسا قطعة من الورق ومظروف. كانت المهمة: اكتب أسماء الأشخاص الأكثر أهمية في حياتك وسبب أهميتهم. فعل فيتيل كما طُلب منه وختم الورقة في مظروف. نصحه هنتسا (Aki Hintsa) بالتمسك به، قائلاً: “عندما تنجح، سيرغب الكثير من الناس في أن يكونوا جزءاً من حياتك. عُد إلى هذه الرسالة لمعرفة مَن هم أصدقاؤك الحقيقيون، وتذكر أن تبقى على اتصال بهم. ” استخدم الدكتور هنتسا هذا التمرين مع العديد من عملائه، وغالباً ما يطلب منهم إعداد قائمة بالأشخاص الذين سيأخذونهم في رحلة إبحار طويلة تستغرق عدة أشهر أو إلى جزيرة نائية.

فكر في الأمر بنفسك: مَن ستأخذ معك؟ هل يمكنك تحديد الأشخاص المهمين حقاً بالنسبة لك والذين يشكل مجرد البقاء معهم حقيقة كونهم مصدراً للحياة وتعطيها معنىً؟ بمجرد تحديدهم، فكر في مقدار الوقت والطاقة الذي تخصصه لهم حالياً. إضافة إلى ذلك، فكر في تعاملك معهم: هل كنت صادقاً معهم، مع نفسك؟

لا يمكن لأي قدرٍ من الإجازات الغريبة أن يعالج توتر العلاقة الأبوية أو الزوجية

اشتمَل عملاء هنستا على العديد من الأفراد الناجحين ذوي الأداء العالي والعمل الدؤوب، والذين تبيّن أنهم غالباً ما يضحّون ويهملون العلاقات الأسرية والصداقات الهادفة من أجل حياتهم المهنية. أحد المديرين التنفيذيين، على سبيل المثال، اعتاد على اصطحاب زوجته وأطفاله في إجازات فاخرة إلى أماكن غريبة. هناك، كان يسجّل أطفاله للمشاركة في مغامرات مختلفة، ويرسل زوجته إلى المنتجع الصحي. ريثما كان يعمل لساعاتٍ طويلة خارج المكتب بعد خروج عائلته. 

إذا حدث ذلك من حين لآخر، فهذا ليس بالأمر الكبير، ولكن إذا تحول هذا السلوك إلى أمر عادي، وهو ما حدث له فعلياً، فإنه يصبح مشكلة من حيث الصورة الكبيرة لحياته. يرغب الأطفال في المغامرات وقد يقدّر الأزواج يوماً جيداً في المنتجع الصحي، ولكن إذا كان اكتساب هذه الكماليات يعني خسارة القرب الأسري، فلا يمكن لأي قدرٍ من الإجازات الغريبة أن يعالج توتر العلاقة الأبوية أو الزوجية.

كانت نصيحة هينستا النموذجية لكل من عملائه الرياضيين والتنفيذيين هي نفسها: يجب أن يكون قضاء الوقت مع الأشخاص الذين تحبهم على رأس قائمة أولوياتك. 

حياة ذات معنى

تمسّك سيباستيان فيتيل بتمارين هنتسا وعمِل بها. أراد الجميع قطعة منه عندما أصبح رمزاً عالمياً بعد بضع سنوات. تذكّر محتويات المظروف، وقام بحماية دائرته الداخلية بعناية على مر السنين، ووجد الوقت لأقرب أفراد عائلته وأصدقائه وسط اهتمام وإطار إعلامي محموم. لا يزال مع صديقة طفولته هانا براتر، ولديهما طفلان.

لقد أدرك أنه بغضّ النظر عن مستوى النجاح الذي تحقّقِه، فإن سر الحياة الهادفة والرائعة هو وجود عدد قليل من الأشخاص الجيدين في حياتك، يمكنك حقاً الوثوق والاهتمام بهم وحبّهم. سواء كنتم على متن مركب شراعي مزدحم معاً لعدة أشهر أو راسينَ في جزيرة نائية معاً، أو ببساطة تتحمل العبء اليومي لما يعنيه أن تكون إنساناً، فهؤلاء هم الأشخاص الذين تريدهم حولك، بغضّ النظر عن السبب. إنهم يجعلون حياتك أفضل، وستفعل الشيء نفسه لهم. إذا كنت محظوظاً، فسيُكتَب اسمك في مظروف يخصّ شخصاً تحبه.

أترك رداً

تصفح أيضاً

سويسرا: التزلج في قريندلفالد والشتاء في لوتربرونين