حياة مختصرة، بنفَس طويل

حياة.. الكلمة التي كنت -ومازلت- أبحث عنها في كل ما أفعل. حياة. لأنّه كتِب عليّ أن أعيش. ولأن الحياة على هذه الأرض مازال يقدّسها الكثير. ولأن الحديث عن الموت مفزع لمَن حولي. وأن فكرة اختيار طريقة للموت تعتبر هراءً في عين المحيطين بي. وأنني حين أتحدث عنها أكون مريضة، وفي أفضل الأحوال، متعبة نفسياً. ولأن الحياة صوّروها لنا نعمة، وأن الحديث عن الموت خلل. أو ربما على الأقل لمَن لم يصِلوا بعد إلى فكرة التصالح مع الموت. أفكّر في “حياة” غير المعرّفة. فيما أسأل نفسي كل يوم، أي حياة أريد أن أعيش؟. أقنِع نفسي بالفكرة، لأنني -ربما- عليّ أن أحيا. حسناً.. لن أكون دراماتيكية أكثر هنا، مازلت أريد أن أحيا. لكنني أعود لنفس التساؤل، أي حياة أريد أن أعيش؟.

بيت صغير..

أفكّر في هذا الآن بينما أقيم في بيتٍ صغير في سومطرة. استأجرت غرفة تسَع أربعة أشخاص. ليس لأنني أستطيع، ولكن لأنها صممت على هذا الأساس. قررت أن أترك المنتجع الذي استأجرت حجرة فردية فيه فقط لأن الانترنت فيه مرهق نفسياً. ولأنني أريد أن أعيش حقاً مع عائلة إندونيسية. لمَ؟ لا أدري. ربما لأقنع نفسي أنني عشت حقاً في إندونيسيا.

والآن، أكتب هذه التدوينة من الفناء الملحق بالغرفة. فيما سيدة البيت كانت تعمل منذ الصباح الباكر في الحقل الملحق بالبيت. أراها تعمل دون انقطاع، تحرث الأرض وتزرع. بضعة أشجار من الموز هنا وهناك لم تثمر بعد. مع عدد ليس بالكثير من أشجار الذرة. تبادلنا القليل من الكلام صباحاً، كنت أطلب مساعدتها في تخليصي من الضفدع الذي زار حمام الغرفة. كانت تضحك على هلعي الذي لا ترى له أي داعٍ. 

فتاة في الحديقة

حياة أخرى..

إن كنت قرأت أي تدوينة سابقة لي، ستعلم أنني تركت كل ما أملك في ماليزيا. واخترت أن أعيش حياة مختلفة. لن أخبرك أنها أفضل، لأنني في الحقيقة، لا أعرف. لن أخبرك أن حياة الترحال والتنقل أفضل ما مرّ علي. نعم، كان قراراً جيداً ذلك الحين – ومازال. لكنني لا أعرف إن كانت هذه الحياة أفضل من غيرها. لم أجرب إلا نمطين منها. انتظر حتى أجرب الأنماط الأخرى، ربما!. أحاول هنا فقط تحليل ما يحدث في الحياة التي أعيشها الآن. ولست أريد أن أقنِعك أو أقنِع نفسي أنني اتخذت الخطوة الصحيحة. لأنني حقاً، لا أعرف ذلك.

أنت تعيشين حلم حياة الكثيرين!

مازلت أضحك في كل مرة أسمع فيها تلك الجملة. أمتعِض في داخلي كلما رددها الكثيرون. يظنّ أصدقائي أنها جملة تحفيزية. وطبعاً، سيلحِقون بها: هل تعلمين كم منا يريد أن يعيش هذا الحلم؟. وأشعر بمغصٍ أكثر. لا أعلم حقيقة ما الذي تُظهِره ملامح وجهي هذه الأثناء. وجهي الذي لا يعرف أن يكذب أبداً، ما جعلني دبلوماسية سيئة. أتساءل حينها: حقاً؟. أليست فكرة بئيسة أن أعيش حلماً لآخرين؟. مرهِق يا صديقي أن تحمّلني هذه المهمة. كيف تراني مؤهلة لأن أعيش حلمك أنت؟. وكيف ترى أنه من الجيّد والمقبول أن تعيش حياة لا تحلم بها؟. وحدهم “مؤازر” و “جون” لم يتفوّهوا بها. أعلم أنها جملة تتردد للتخفيف من المخاوف. جملة تحفيزية ابتكرتها المجتمعات. مثلها مثل: أنت إنسان جيد!. ربما لا يدرك أصدقائي حينها أنني لا أريد سوي أن أعيش حياتي، وحلمي. أو ربما كانت جملة ترويحية اعتادوا تكرارها لتخفيف خيابتهم. وخيباتي معاً. معذورون إذن.

×× اطّلع على: حياة أفضل ××

Palm trees and sky

امتلاء..

أعلم جيداً متى تزورني هواجسي المتعلقة بالحياة. ليست في لحظات الضعف أو الخوف غالباً. بل حين أكون في أقصى درجات سعادتي. حين أخاف أو أكون مرهقة ومتعبة، أتساءل فقط: لمَ أفعل لم أفعله الآن؟. يحدث ذلك غالباً حينما أعبر نهراً أو أتسلّق جبلاً. أو أحشر نفسي في حافلة محلية في لاوس ليلاً. أو كما حدث الأسبوع الماضي، حين قضيت ستاً وعشرين ساعة في الطريق من أجل الوصول إلى شلال. هذا الأمر وحده حكاية أخرى. في لحظات السعادة التي أعيشها الآن، تسألني نفسي، هل أنتِ ممتلئة بما تريدين؟.

متى أكون في قمة امتلائي؟ إذا اعتبرت أنني سأعدّها منذ الخامس عشر من أغسطس. يوم أن بدأت تجربة الحياة الأخرى. يمكنني عدّ ذلك. لا أعتقد أن الأمر تكرر كثيراً خلال الأشهر الماضية على أية حال.. ثم، هل هناك فرق بين أن تكون سعيداً، وبين أن تكون في قمة سعادتك؟.

منظر مطل على مزارع الأرز في قرية كونغ لور

قرية كونغ لور، جنوب لاوس.

حين استيقظت صباح اليوم التالي، رأيت حقول الأرز ممتدة أمامي، والجبال تحيط بها. مازلت أذكر البهجة التي اجتاحتني حينها. لم أتوقع أنني سأرى ذلك أمامي. وصلت بعد أن غابت الشمس، وكان كل شيء مظلماً. وصلت مرهقة بعد ساعات طويلة في طريق لا أعرفه. وفي بلدٍ لا أعرف كيف سيصلون إليّ لو حدث لي مكروه. لم يكن يعرف أحد بوُجهتي سوى رحالتين التقيتهما في العاصمة فيانتيان. وكلاهما كانا في طريقهما إلى شمال لاوس. فيما أنا أقطع المسافات إلى أقصى جنوبها. في الصباح؛ كنت أتنفّس أنظف هواء. حقيقة لا مبالغة فيها. مكثت ما يقارب الساعة أحاول استيعاب ما أراه. غمرتني راحة نفسية مذهلة. هنا مكاني. وهذا المكان يشبهني كثيراً. تذكّرت حينها بيت جداتي، كلاهما يملك حقولاً للأرز (كعادة القدحيين بالطبع!).

قضيت ساعات كثيرة من القراءة، والتأمل. لم أكن في حاجة إلى المشي كثيراً في المكان حولي. كانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بسعادة كبيرة. وأنني في مكانٍ جميل حقاً. لمَ كنت سعيدة حينها؟. ربما لأن بعد كل ذلك الجهد وصلت إلى مكانٍ ساحر. أو ربما أنني مازلت مذهولة بالكهف. ربما لأنني أخيراً أصبحت وحدي. هنا، أنا وحدي. وليست هناك أي وسيلة ترفيهية سوى المشي في القرية صباحاً. والسكون ليلاً إلى حقول الأرز. كنت أتخيل المكان مع “أنتوني”، يشبهه كثيراً. وأعلم أنه روحه ستهدأ كثيراً هنا.

بيت الجدة..

بعثتُ ذلك الصباح رسالة إلى “جون”، أليس من المضحك أن أسافر كل هذه المسافات لأجد راحتي في مكانٍ كهذا فيما بيت جدتي على بُعد ساعة بالطائرة؟. مع الاعتبار بأنني أفعل كل ما أريد هنا، بعيداً عن قوانين بيت العائلة. يعقّب “جون”: أجل.. لكن، ربما كانت الرحلة كلها لأن تدركي ذلك. 

كوخ خشبي على بحيرة في فيتنام

بحيرة تُوين لام، دالات، وسط فيتنام.

المرة الثانية التي كنت فيها وحدي. حسناً، لم أكن فيها وحدي بشكل كلّي، كما في قرية كونغ لور. لكنني لم أكن مجبرة هناك على الكلام مع أحد. كنت أعمل صباحاً ريثما أستمع إلى بودكاست. وحين أنتهي أكون في زاويتي المفضلة مع شاي الزنجبيل. كل مَن كانوا هناك كانوا لا يتكلمون كثيراً. وناسبني ذلك جيداً. عشت هناك أسبوعين، ويمكنني تذكر ما تحدثت عنه. يمكنني تذكّر الأغاني التي سمعتها. ويمكنني تذكر المرات التي صرخت فيها بسبب فأر المزارع. كل شيء على هذه البحيرة كان هادئاً.. حتى أهلها وزوّارها. هدوء المكان يجبرك على أن تخفِض صوتك لا إرادياً. اكتشفت حينها أنني أنزعج من أصحاب الأصوات العالية. 

كنت أكتب هنا كثيراً. منظر البحيرة يشجّع على الكتابة كل يوم. مازلت أعتقد أن أفضل ما كتبت كان مولِده هناك، على البحيرة. الكثير من المراسلات والإيميلات مع “فيولا”، صديقتي الألمانية. كنت أكتب بسهولة أكثر ضمن عملي الحر. لا أذكر أنني قرأت الكثير. في ذلك البيت/المنتجع مكتبة صغيرة. هناك الكثير من الكتب عن تاريخ فيتنام التي أتمنى لو أنني قراتها. ولكن.. برودة الطقس كانت تدفعني إلى الاسترخاء والنوم أكثر. كنت في حاجة حقيقية إلى هذه الراحة. كنت سعيدة

×× اطّلع هنا على جميع التدوينات عن فيتنام ××

فوهة بركان جبل سيباياك في سوكطرة

بركان جبل سيباياك، سومطرة، إندونيسيا. 

كلما صعدت للأعلى والتقيت بآخرين، يسألونني: وحدك؟. وحين أجيب: نعم! يتفاجأون. ينعتونني بالشجاعة، أو يبحلقون فيّ وكأنني كائن غريب. اجتاحتني رغبة بالبكاء -بسعادة- حين وصلت إلى الفوهة. كانت أكبر من الصورة التي تخيلت. كبيرة لدرجة لو أمطرت على مدار الأسبوع، لتحولت الفوهة إلى بركة للسباحة. كبيرة لدرجة أنني بعد أن نزلت داخل الفوهة، تعبت قليلاً عند الصعود خارجها. وهناك رهبة غريبة في المكان. رهبة لا أفهمها. شعرت بها، وشعرت بها “روزانا” حين صعدتها قبلي مع “إسماعيل”. على مقربة من الفوهة الكبيرة الخامدة، هناك فوّهة صغيرة مازال الدخان يخرج منها. حاولت الاقتراب مرتين منها، وفي كل مرة أسقط. أخذتها كإشارة فيما بعد، أن ابتعدي!. الصوت المرافق للدخان عالٍ ومخيف بشكلٍ ما. شكيرا كانت تلومني أن كيف صعدت هناك وحدي وسط هذا الرعب. 

في داخلي، ورغم كل ذلك التعب، والرهبة، كنت أسعد ما يمكن. حين وقفت هناك أطلّ على القرية المجاورة. حين وصلت لأعلى نقطة تسمح السلطات الوصول إليها. حين صفعتني الفكرة: أنت على أطراف فوهة بركانية!. ربما كان السبب في أنها المرة الأولى التي أتسلق فيها جبلاً بركانياً. أو ربما لأنني فعلت ذلك وحدي. أنا التي أكره التسلّق لأنه يقطع أنفاسي. أنا التي أخاف الغابات والأشجار المتلاصقة. أنا التي لا أفعل ذلك عادة وحدي.. لكنني فعلتها. لم أخطط لذلك. حدث وأن كنت وحدي حقاً. وحينما عدت؛ انتبهت إلى تحذير من السكن الذي أقمت فيه: Do not climb Mount Sibayak alone, many people died when they did. تفاجأت! لم انتبه لهذا التحذير قبل أن أصعد. ولسببٍ ما، لم أمت..

مجنونة!

في اليوم التالي، أخبرني “إسماعيل” الإندونيسي عن جبل سينابونغ (Mount Sinabung). ثار البركان في فبراير هذا العام بشكل مرعب، ومازال تحت المراقبة. سألته إن كان من الممكن الصعود هنا.. وبالطبع، بحلق فيّ بتعجب، وتفوّه بكلمة واحدة: مجنونة!. 

لوحة جدارية مع نباتات في فيتنام

هل شعرت بالخوف خلال كل هذا الترحال؟

دعونا نتّفق على شيء واحد، أنا لست شجاعة!. أخاف من الأماكن المظلمة التي لا أرى نهاياتها. أخاف من الضفادع وأصرخ بشكل هستيري حين أراها. أتقرّف من لمس الثعابين، أو حتى الإمساك بالسحالي. لا أحب عبور الشوارع المزدحمة بالكثير من الدراجات النارية. لديّ رهاب من الأماكن المرتفعة، فلا أنظر للأسفل. لا أحب القرود الصغيرة لأنها سريعة الحركة. لكنني أحب قرود أورانغ أوتان التي يمنعونني من لمسها. أخاف من السباحة في البحيرات، وأتخيّل -لسبب ما- أن وحشاً مائياً يعيش فيها. لكنني سبحت في الكثير منها. أكون أكثر شجاعة مع الأحياء البحرية. يمكنني السباحة مع السلاحف وأسماك القرش. رأيت حية بين الشعاب المرجانية في إحدى رحلات الغوص، وأردت الاقتراب منها. لكنها سبحت بعيداً. أخبرني “آندي” فيما بعد أنها سامة!.

البشر مرعِبون!

يمكنني التغلّب على كل ذلك في اللحظة المناسبة. لكنني خفت كثيراً حين وصلت منطقة شلالات بيسو-بيسو (Sipisopiso). ليس من المكان، وليس من الغابة. ولكن، من الناس. وجدت نفسي محاطة بالمحليّين. في منطقة لا تسافر فيها أنثى وحدها أبداً. وكنت وحدي، طبعاً!. لم أجد مكاناً للمبيت، وعرضوا عليّ النوم في مكانٍ مشترك. مكان مفتوح يؤمّه متسلّقوا الجبال عادة. كان يوم الإثنين، العاشر من ديسمبر. وصادف أن لا أحد في المكان. لا رحلات، ولا مستلّقين، ولا زوّار أجانب. فقط العاملين هناك، وبعض الزوار المحليين. تلقّفوني بالأسئلة، وكيف وصلت هناك وحدي. سألتهم عن أقرب سكنٍ يمكنني استئجاره، كان في القرية المجاورة. كنت مرهقة، جائعة، وخائفة. بعد رحلة امتدت ستاً وعشرين ساعة، من حافلة لأخرى. كنت في حاجة ماسة للاستحمام والنوم.

لم أشعر بالخوف في أي بلدٍ زرته من قبل. ليس مثل سومطرة. ولا أدري لمَ. أخذتني “إيما” فيما بعد إلى سكنٍ أسفل الجبل. بكيت، بمجرد أن أغلقت الباب على نفسي. لم أجد سبباً حقيقياً للبكاء. فقط بكيت. احتجت إلى صوتٍ مألوف لأحدثه، وبكيت على مسمعٍ من “أنتوني”. أخبرته أنني خائفة، هنا، على بُعدِ أكثر من ستة آلاف كيلومترٍ منه. 

جناح طائرة في السماء

لماذا حياة مختصرة؟

لأنني أستطيع فعلياً اختصارها في أحداثٍ قليلة.. ثمانية عشر عاماً في السعودية. ثم الانتقال من السعودية إلى ماليزيا. يوم أن جعلني “مجاهد” أماً، ويوم أن جاءت “دانة” التي تحمِل ملامح وجهي. كانت أيامي هنا تمرّ متباطئة وكأنها على سيارة عجوز متهالكة. كانت الأشهر تمرّ دون أن يحدث شيء ما مهم. ثم المرحلة التي استغنيت فيها عن كل شيء، وتركت ماليزيا. بعد أن مرت ثمانية عشر عاماً أخرى. لم يسرّني الكثير من ذلك. إذا استثنيت ميلاد الصغيرين على الأقل. لم يسرّني السير البطيء جداً للحياة. أنا التي تسعى إلى معرفة النهاية دائماً. حتى عندما أقرأ كتاباً جديداً أو أشاهد فيلما. عليّ أن أعرف النهاية. 

بدأت الأحداث تتسارع فيما بعد. منذ الخامس عشر من أغسطس، وكلّما أُسأل عن المدة التي قضيتها في الترحال، أصمت ثوانٍ لأعد. أشعر وكأنها سنة، أو ستة أشهر على الأقل. لكنها حتى اليوم تزيد قليلاً عن أربعة أشهر. الكثير من الأحداث. الكثير من المواقف الصعبة والمضحكة. الكثير من المناظر الجميلة، والأكل اللذيذ. والكثير من الناس. الكثير من التنقل مابين نقطة أخرى. الكثير من الأسرّة التي نمت عليها. والكثير من الحافلات التي نقلتني من مكانٍ لآخر. حتى أنني بدأت أنسى بعض أسماء المدن. والأسوأ، أنني نسيت -في لحظة ما- المسار الذي قطعته في فيتنام. وليس ذلك بأمر جيد. 

حياة مختصرة..

لأنني كنت في فترة ما أجري وأجري. أربعة أيام هنا، واثنين هناك. في هاتفي تنبيه باليوم الذي يجب عليّ مغادرة البلاد التي أنا فيها الآن. بدأت بوضعه منذ كنت في لاوس، حين نسيت يوم وصولي، ومتى ستنتهي الثلاثين يوماً لي فيها. وهذا أيضاً ليس بأمر جيد. وجدت نفسي مندفعة في حياة متسارعة. لم يكن هذا ما أخطط له. لم يكن ذلك ما أردت حين حزمت كل شيء أملكه في حقيبة واحدة. لم أرِد حياة متخصرة في: ثمانية عشرة عاماً في السعودية، ومثلها في ماليزيا، ثم سنة من السفر المتواصل. ثم هذا الرقم من الدول التي يحتفي الرحالة بوضعه بعد أسمائهم.. لا أريد أن يكون لي رصيد من الدول والمدن، وربما لا أتذكر أسماءها فيما بعد.  

×× اطّلع على: مُسوَّدة الرحلات. جميع التدوينات المتعلقة بالسفر والترحال

منظر على منطقة دمنسارا، ماليزيا

حياة مختصرة، ونفَس طويل..

نفَس طويل. لأن هناك الكثير مما أريد عمله. الكثير من الأماكن لأزور. الكثير من الحكايات التي أريد أن أحكيها. الكثير من البحار والشطآن لأسبح. نفَس طويل، لأن الحياة مازالت مستمرة. ولأنني مازلت أذهب إلى مناطق تخيفني. مازالت أفعل كل شيء، ولكن، بتأنٍّ. هذا الذي علّمتني إياه “دانة” قبل عام، ثم في إجازتي القصيرة معها في نوفمبر الماضي. أفزعني قلقها -مرة أخرى- من انزعاجي لأنها تأكل ببطء. أخبرتها ذلك اليوم أننا نملك اليوم بأكمله، وأن بإمكانها أن تستغرق ساعة كاملة من أجل طبق. أخبرتها أنها يمكنها تناول الآيسكريم ريثما نمشي بهدوء. أن بإمكاننا المشي في الشاطئ كل ليلة حتى تلعب بذلك البريق البحري الأزرق. طمأنتها أنه ليس علينا أن نكون على عجلة دائماً.. “دانة:، لا تعرف أنها علّمتني ذلك. بفارق السنوات الستة والعشرين التي بيننا.

عدت لأسافِر الآن ببطءٍ أكثر. أسبوع هنا، وأسبوعين هناك. لا يهمّني إن فاتتني مناطق كثيرة لم أرها. ما يهمّني أنني اندمجت مع المكان. أنني تنفّست هواءه، وراقبت الغروب فيه. يهمّني أن أعرف في أي بقالة سأجد جبناً طازجاً، ومخبزاً ألمانياً أشتري منه فطائري كل يوم. يهمّني أن يتذكرني بائع العصائر في الشارع المقابل. يهمّني أن تبتسم في وجهي صاحبة البقالة المقابلة لمكان سكني. ثم رسالة “إيما” التي جائتني أمس: أين أنتِ الآن؟ هل التقيت أصدقاءك؟.

نفَس طويل..

لأرتاح. كانت -ولاتزال- معركة مرهقة. نفس طويل.. لأنني أريد أن أتذكر القشعريرة التي غطّتني حين حضرت تراتيلاً في معبدٍ بوذي. لأنني أريد تذكر ضحكي الهستيري حين سبحت داخل فوهة بركانية تحت البحر. لأنني أريد أن أتذكر جيداً أول برقر باللحم تناولته بعد أيام التأمل العشر. لأنني أريد تذكّر وجه “ديريك” المتأسف بعد أن وقعنا من الدراجة النارية. لأنني أريد أن تمتدّ أحاديثي مع “أنتوني”، لا لشيء، فقط لأننا مستمتعين. من أجل وجه “دانة” الممتلئ حماساً وسعادة بعد أن قادت دراجة رباعية وحدها.

نفَس طويل، ليقيني بأني حين أموت، سأكون سعيدة للحياة التي عشتها، بكل جزء منها.