إندونيسيا: النزول إلى شلال بيسوبيسو

شلال بيسوبيسو (Sipiso Piso)، باسمه العجيب، محطتي الرابعة في سومطرة، إندونيسيا. هناك أمر ما مرتبط بهذا الشلال، لا أفهمه. وكعادة الإندونيسيين، الكثير من الأساطير، وخاصة المسمى. محطتي هذه جاءت بعد خطة سريعة وضعها لي “إسماعيل”، موظفي ومرشدي في سومطرة. كنا تلك الليلة نخطط لجزيرة ويه، ثم ما بعدها. وبالطبع، كان الخيار الأفضل هو التوقف عند شلال بيسوبيسو وقتاً كافياً..
بعد قضاء أسبوع لا يمكن نسيانه في جزيرة ويه، قررت أن أغادرها إلى ميدان. كنت أعرف يقيناً أنني لن أشكث أي يومٍ في بندا أتشيه. ولذلك كنت أريد الوصول بأقرب فرصة إلى ميدان، للراحة على الأقل. كانت خطة المغادرة كالآتي: مغادرة الجزيرة بالعبّارة. ثم الانتقال من الميناء، إلى محطة الحافلات. وإكمال الطريق فيما بعد.. ولكن، كان علي انتظار الحافلة المسائية حوالي ساعتين ونصف.

تعرّف على شلال بيسوبيسو

شلال بيسوبيسو أحد أطول الشلالات في إندونيسيا. الحقيقة المثيرة للاهتمام، هي أن اسم الشلال مشتق من كلمة بيسو، في لغة باتاك، والتي تعني حرفياً شفرة. وهذه ليست هذه مفاجأة، فشكل شلال بيسوبيسو شبيه بسكين فولاذي ضيق طويل بين الصخور الخضراء المورقة. يبلغ ارتفاعه 120 متراً، ويقع في قرية تونقينغ. على بُعد 45كم من بيراستاقي، شمال بحيرة توبا. والتي تعتبر من جهة أخرى، أكبر بحيرة في جزيرة سومطرة، وربما إندونيسيا.

يتكون هذا الشلال من نهر صغير تحت الأرض، أتياً من هضبة كارو، ويصبّ في بحيرة شتوبا. يتمتع شلال بيسوبيسو بمناظر طبيعية خلابة ومشاهدة رائعة. من بين المنحدرات الخضراء، تظهر مياه الشلال بعظمتها. وأينما كنت هناك، يمكنك الاستمتاع بالمنظر المهيب، وصوت الماء المتدفق. بالقرب من الشلال، قامت الحكومة المحلية ببناء أماكن لاستراحة الزوار والمسافرين المتعبين. يمكنهم الجلوس والاستمتاع بمنظر شلال بيسوبيسو وسقوط المياه. أو يمكنك حتى التسوق من بعض المحلات الصغيرة.

الوصول إلى منطقة الشلال

غالباً ما تغادر الرحلات السياحية من ميدان. من الأفضل في هذه الرحلة بالذات أن تكون مع مرشد سياحي. تتوفر في المنطقة الكثير من الحافلات المحلية. لكن المشكلة تكمن في تغيير الحافلات من محطة إلى أخرى. وغالباً ما تكون أسعار تلك الحافلات غير ثابتة. أو في أسوأ الأحوال، قد يحدث لك ما حدث لي مراراً، حين يغشّك سائقوا الحافلات.

كيف تصل إلى أسفل شلال بيسوبيسو

يستغرق المشي إلى قاع شلال بيسوبيسو مابين 30-45 دقيقة. يعتمد ذلك بالطبع على لياقتك البدنية والطقس. الطريق ليس صعباً، ولكن عليك أن تكون حريصاً. كما الطريق للأسفل ليس بمعبّد بالكامل. وهناك الكثير من الأحجار الزلِقة، خاصة في نهاية المسار. تمتّع بالمناظر الحميلة خلال النزول إلى قاع الشلال. إنها أكثر من رائعة، وكثيراً ما عوضتني عن التعب المبذول. كان الجو لطيفاً لحسن الحظ، مع هواء بارد منعش. وعندما تصل إلى نهاية الطريق، ستفتن بجمال الطبيعة. من الصعب العثور على كلمات لوصف المنظر الذي رأيته أمامي.
يمكنك حتى جلب كمية من الطعام معك. أو حتى الاستمتاع بقهوتك هناك في المطعم المحلي. والاستمتاع بالنظر إلى شلال بيسوبيسو العملاق المحاط بالمورقة الخضراء.

أفضل منتجع للإقامة عند شلال بيسوبيسو

أفضل مكانٍ للسكن في منطقة شلال بيسوبيسو هو منتجع Taman Simalem Resort. أقمت فيه ليلة واحدة، الليلة الثانية لي في هذه المنطقة. هناك الكثير من الأنشطة المقامة في المنتجع. وهذا ما يجعل مكاناً مناسباً للإقامة، حتى أنك لن تغادره إلى مكانٍ آخر. ما عدا زيارة شلال بيسوبيسو بالطبع!. يتوفر في المنتجع 4 خيارات للمطاعم. وبغرف واسعة، يمكنك منها رؤية الشلال بشكله البهي. إنه منتجع سياحي متكامل الخدمات. أقول لك هذا حتى لا يفاجئك سعره العالي إن كنت مسافراً اقتصادياً. يترواح مابين 140-190 دولاراً لليلة الواحدة، حسب نوع الغرفة. يمكنك الإطلاع على كامل الأسعار أو حجزه من خلال هذا الرابط.

Booking.com

استغرقت 26 ساعة للوصول إلى شلال بيسوبيسو

مغامرة جديدة في سومطرة! 🙂 حين كنا نرتب الرحلة هذه أنا و”إسماعيل”، أخبرني عن رغبته في إيصالي. لكنني آثرت كالعادة تجربة التنقل بنفسي. أذكر جيداً تعليمات “إسماعيل وهو يخبرني: ثم عليك الانتقال إلى كابنجاهي. هناك الكثير من الحافلات التي تسير في هذا الاتجاه، لذلك لن تواجهك أي مشكلة. أخبري السائق أن ينزلك في منطقة شلال بيسوبيسو. ثم ابحثي عن توك-توك، سيكلفك كذا وكذا…
يعرف “إسماعيل” كيف يطاوِع النفس المغامِرة التي تسكنني. لكنه لا يعرف أنها قد تفوق كل التوقعات. أنا نفسي لم أعرف! ما الذي حدث؟
بدأت الرحلة منذ أن غادرت منتجع Freddie في جزيرة ويه. أقلّني السائق إلى ميناء العبّارات، وساعدني في شراء التذاكر. انتظرت نصف ساعة، وتناولت الغداء لأنني أعرف طول الطريق لاحقاً. كانت المسافة أسرع هذه المرة، ساعة ونصف فقط. وانتقلت مباشرة إلى محطة الحافلات في بندا أتشيه.

سيارة – عبّارة – سيارة أجرة – حافلة – دراجة نارية أجرة – حافلة مريحة – حافلة عتيقة – حافلة عتيقة أخرى – توك توك

كانت هناك خطة شبه محكمة بأنني سأبيت ليلة في ميدان. شيء ما بداخلي يمنعني من المبيت أو المكوث حتى لو ليلة واحدة في بندا أتشيه. لم أحب المنطقة منذ دخلتها. ولم أشعر بأنه مرحب بوجود أي من السوّاح أو الزائرين -على شاكلتي- فيها.

انطلقت الحافلة المسائية عند السادسة مساءً تقريباً. لم يكن السائق مجنوناً هذه المرة. بل كانت الرحلة مريحة جداً، أو أنني كنت فقط مرهقة. أذكر أنني نمت جيداً هذه المرة. ووصلت إلى ميدان صباحاً. كان الوقت مبكراً، والمدينة مزدحمة كعادتها. غيّرت رأيي، لماذا أضيّع يوماً آخر في ميدان؟. يمكنني الانتقال مباشرة إلى بيراستاقي، سأستريح هناك. أخبرت “إسماعيل” بأنني قادمة، سأصل خلال ساعتين أو ثلاثة على الأكثر. نسيت حينها أن عليه استقبال عميل لنا في سومطرة، ما يعني أنه لا يمكنه نقلي أي مكان. حسناً.. الأمر ليس بهذا السوء! أعرف بيراستاقي جيداً. وصلت إلى محطة الحافلات في بيراستاقي، مازلت نشِطة!. حسناً، رأيت معظم ما يهمّني في بيراستاقي، فلمَ أقضي فيها ليلة أخرى؟. الأفضل أن أكمِل طريقي.. سأنام لاحقاً عند الشلال.

لمَ العجلة؟ لن يغادر الشلال إلى أي مكان!

هل أخبرتك أنه من الأفضل أن ينقلك سائق خاص إلى هنا؟. افعلها، لا تغامِر بجنون مثلي. ربما ليس في إندونيسيا، أو سومطرة على الأقل.
وهل أخبرتك ألا تحمّل نفسك فوق طاقتها؟. ليس من الجيّد أن تستعجل وتستمر في الطريق. اعطِ نفسك حقها من الراحة. لن يغادر الشلال إلى أي مكان. وكان هذا أكبر درس علي تعلّمه هنا.

بحثت عن حافلة أخرى تأخذني إلى كابنجاهي. أعرف مساري جيداً كما شرحه لي “إسماعيل”. وكنت أتبادل بعضاً من الحديث مع السكان المحليين في الحافلة. ساعدوني كثيراً، وأخبروا السائق أن ينزلني في أقرب منطقة ممكنة. مطر خفيف يهطل الآن، جيد. لكنه أصبح أمراً سيئاً للغاية حينما اشتدّ. ركبت بعدها توك-توك، طلبت منه إيصالي إلى الشلال. وكنت أخبره أنني أبحث عن مسكن قريب من هنا. المشكلة؟ ليس هناك أي سكن قريب من منطقة الشلال. إنها منطقة سياحية بالكامل، لكنها لا تحوي أي مكانٍ للسكن!.

مرة أخرى؛ وحدكِ هنا؟ لا! أصدقائي ينتظرونني

أردت فقط أن ألتقِط أنفاسي. وصلت إلى الشلال، عظيم!. لكنني مرهقة، والمطر أصبح قوياً للغاية. لن أتمكن من النزول والصعود حاملة حقيبتي. ولا أعرف إن كان بإمكاني استئمان أي أحد هنا. جلست في مطعم محليّ صغير. كنت الوحيدة هناك، كسائحة غير محلية. كلهم يسألونني عن وُجهتي، وأين أريد أن أذهب. وكيف أنني وحدي هنا. شاركني الطاولة فيما بعد مرشد سياحي، عرف أنني وحيدة. أخبرني عن كيف أنها مجازفة مجنونة. ووافقته، لكنه طلبت منه ألا يخبر أي أحد، لسلامتي.
رآني مصوّرَين محليّيَن، كانوا في الأصل قادمين من ميدان للعمل هنا. رأوا حيرتي وحالة الضياع التي كنت فيها. أخبرتهم بأنني أبحث عن مكانٍ للنوم هذه الليلة فقط، أي مكان. وأخذوني إلى مطعم آخر مجاوِر، تملكه سيدة من هذه القرية. وعادة ما يجلس في محلّها رحالة أو متسلقي الجبال. حسناً، لا يبدو الأمر سيئاً، إنها سيدة على الأقل..

السيدة إيما.. المنقِذة هذه الليلة!

طلبت مني “إيما” الجلوس على أي طاولة أريد. أخبرتني أنها صاحبة المكان، وهذا زوجها. تبدو كبيرة في السن، وجهها مريح، وحديثها مريح. أعدّت لي طبقاً خفيفاً، تذكرت بأنني لم آكل منذ اليوم السابق. إنها الخامسة مساءً، ومعظم الزوار يغادرون المكان في هذا الوقت. التقيت مصادفة مسافرَين أسبانيين، يقيمون لدى سيدة إندونيسية. وأن هناك قرية بالقرب من هنا بها مجموعة من المساكن للاستئجار. استشرت “إيما”، أخبرتها أنني أبحث عن مكانٍ للنوم. عرضت عليّ المبيت في محلّها، في الدور السفلي، حيث تقيم مع زوجها. لم يناسبني هذا الترتيب أبداً، أريد مكاناً حقيقياً للنوم.
أخبرتني بعد نصف ساعة عن قرية مطلّة على بحيرة توبا. حسناً! ماذا ننتظر؟. هناك مسكن صغير للايجار، يبدو أنه مازال جديداً، لكنه لم يكن مؤثثاً جيداً. لا يهم. كنت أريد الاستحمام والتقاط أنفاسي. أردت فقط أن أرتاح هذه الليلة، كانت المسافة أطول مما تتخيلت. أوصلني زوج “إيما” هنا، وطلب مني مهاتفتهم إن احتجت شيئاً ما..

لم أشعر بالخوف في أي بلدٍ زرته من قبل. ليس مثل سومطرة. ولا أدري لمَ. أخذتني “إيما” فيما بعد إلى سكنٍ أسفل الجبل. بكيت، بمجرد أن أغلقت الباب على نفسي. لم أجد سبباً حقيقياً للبكاء. فقط بكيت. احتجت إلى صوتٍ مألوف لأحدثه، وبكيت على مسمعٍ من “أنتوني”. أخبرته أنني خائفة، هنا، على بُعدِ أكثر من ستة آلاف كيلومترٍ منه.

عزلة كاملة..

الغرفة التي استأجرتها لليلة الأولى تطلّ مباشرة على بحيرة توبا. المكان هادئ للغاية. يمكنني حتى سماع أنفاسي. جميل، هذا ما أردته بعد كمٍ هائل من الأحداث، والناس في الليلة السابقة. حاولت أن أنام بعد مكالمة طويلة مع “أنتوني”. ويبدو أن جسدي كان مرهقاً للغاية، مرهق لدرجة أنني لم أنم جيداً. تصميم هذه الغرفة طريف للغاية، لكنه معقول. هناك باب آخر في الغرفة يمكنك فتحه لتكون مطلاً مباشرة على البحيرة. هل قلت سابقاً أنني أخاف البحيرات؟. حسناً.. أكرر ذلك، ولا أدري لمَ هذا الخوف. الهواء عليل هنا، وأمطار خفيفة تهطل من حين لآخر تلطّف المكان أكثر. قلبي لم يكن هادئاً. وربما مازال عقلي يغتسل من كل ما حدث.
قررت تناول حبة منوّم. أحتاج إلى الكثير من الراحة الليلة. ثم الانتقال إلى منتجع Taman Simalem Resort. أحتاج إلى أكثر من مجرد مكانٍ مطلٍ على البحيرة. ثم عليّ زيارة الشلال الذي قطعت ستاً وعشرين ساعة لأجله!.

القرية الجميلة، من عُلٍ

كان الوقت مناسباً لرؤية القرية عن بُعد. وعن بُعد هنا، أعني من أعلى نقطة ممكنة. أحب بحيرة توبا، وأحب فكرة أنني نِمت الليلة السابقة على أطرافها. ولي في هذه البحيرة أحداث جميلة لا أريد نسيانها. لكنني أيد رؤية الجبال، بعلوّها وجمالها الأخضر. جبالها هنا تذكرني بالألب، خضراء، وعالية في الربيع والصيف. الفارق الوحيد أنني كنت في جبال سومطرة خلال ديسمبر. والفارق، أنها دولة استوائية، فلا ثلوج أو أجواء منغصة.
قرية تونقينغ، باسمها المضحك في الملايوية، كانت مكاناً جميلاً. أذكر أنني كنت أردد “واااو!”، كيف لمكانٍ جميل كهذا يكون هنا. وكيف، رغم كل الصعوبات التي تكبّدتها، مازلت أحب هذا المكان. الطقس هنا بارد ومنعش جداً. لم تكن تلك البرودة القارسة التي تجعلني أريد الاختباء. وكان الوقت مناسباً لرؤيتها هكذا مع أشعة مخبّأة خلف الغيوم.

من شلال بيسوبيسو إلى بحيرة توبا

في اليوم التالي قررت مغادرة المنتجع إلى بحيرة توبا. تجربتي في الوصول إلى شلال بيسوبيسو لم يمنعني من الاستمتاع بالتنقل مع السكان المحليين. في حافلاتهم العتيقة. هناك الكثير من الحكايات التي أسمعها منها. تعلّمت أنني كلما هبطت جنوباً في سومطرة، كلما كان شعبهم أفضل وأكثر سماحة. اختلاف كبير بين سكان بندا أتشيه وقبيلة باتاك التي تسكن بحيرة توبا والمناطق المحيطة بها.
في حافلة صغيرة، قررت الانتقال إلى بحيرة توبا. كانت الطريق غير معبّدة بالطبع، امتدت على ما أذكر إلى ساعتين. لم تكن مرهقة جداً. لكنها مرة اخرى تجربة لا تُنسى. سأتحدث عن إقامتي في بحيرة توبا في التدوينة القادمة. كونوا بالقرب!