عبور الحدود براً مابين لاوس وكمبوديا

عبور الحدود مابين لاوس وكمبوديا كان حكاية أخرى لم أتوقعها خلال هذه الرحلة.
كنت أظنّ أنني مستعدة نفسياً لهذه التجربة. قرأت الكثير عن هذه المرحلة خلال التخطيط لها. وقرأت كل التحذيرات التي كتب عنها الرحالة الآخرون. لكنها كانت مختلفة عما توقّعته. لم يكن سوء تخطيط أو سوء حظ. كان في الحقيقة أمراً عادياً يمكن حدوثه في أي دولة ليس بها أي قوانين صارمة تجاه الفساد الإداري. أضِف إلى ذلك كون الدولتين ليستا متطورتين جداً. ومعروفة كلاهما بتلاعب موظفيها على الحدود. المهم.. أنها أصبحت إحدى الحكايات المتكررة حينما ألتقي رحّالة آخرين. وأصبحت إحدى الأسباب التي نفّرتني في كمبوديا فيما بعد.

مغادرة قرية كونغ لور إلى باكسي

قبل عبور الحدود من لاوس إلى كمبوديا، كان عليّ مغادرة قرية كونغ لور. كنت لحسن الحظ لست المسافرة الوحيدة التي ستغادرها. التقيت “ديريك” الرحالة الإيرلندي الذي كان مقيماً في نفس النُزل الذي كنت فيه. انتظرنا معاً وسيلة المواصلات الوحيدة التي ستقلّنا من قرية كونغ لور إلى قرية Na Hin. نفس المحطة التي توقّفت عندها قبل دخول القرية. ولأنها قرية نائية في لاوس، فليست هناك مواعيد محددة للمواصلات. أخبرونا فقط أن نكون جاهزين مابين السابعة والسابعة والنصف صباحاً.

في السابعة وعشرين دقيقة، وصلت الحافلة. أو التي يسمّونها محلياً “songthaew” لتقلّنا وآخرين من أهل القرية. 45 دقيقة في العربة المحلّية وسط الغبار والطريق المليء بالحفر. أضِف إلى ذلك صوت ماكينة الحافلة الذي يجعلك تصرخ عالياً حتى يسمعك الآخر. لم تكن المسافة بعيدة حقيقة مابين قرية كونغ لور وهاتيِين. أو ربما كانت الأحاديث التي جمعتني بديريك أحد الأسباب التي جعلتها أقصر. أو كون الرحلة في الصباح الباكر، بينما كنا نراقب الذاهبين إلى أعمالهم.
انتهت المرحلة الأولى من الرحلة. المرحلة الأسهل. وعلينا في المرحلة الثانية قطع 3 ساعات تقريباً بعربة أخرى شبيهة بالأولى إلى Thakhek. الطريق الجبلي كان وعِراً لأبعد درجة. كنا كذلك مابين بضائع ينقلها السكان المحلّيون مابين المنطقتين في نفس العربة. الصعود المتدرّج في الطريق الجبلي بعربة كهذه لم يكن أمراً سهلاً. كانت بالطبع مكشوفة من كل جوانبها، ما يعني الكثير من الغبار. لا أعرف إن كانت الأمطار حلاً جيداً هنا، لكن الطريق سيصبح طينياً. ربما أسوأ مما هو جاف. كان عزائي الوحيد في هذا الموقف مرورنا بالكثير من المناظر الجميلة. حتى على الرغم من كوني لم أستطع تصويره، كنت أحتفظ بتلك المناظر في قلبي. لنفسي فقط..

Booking.com
نصيحة

احمل معك وشاحاً أو أي قطعة قماشية يمكنك بها تغطية وجهك وحمايته من الغبار. ولا ترتدِ أي شيء بلون أبيض، سيبصح بنياً في النهاية!

الوصول إلى باكسي

بعد 3 ساعات قضيتها في الطريق من Na Hin إلى Thakhek، عليّ أن أستِقل حافلة أخرى إلى مدينة Pakse. هذه المدينة هي المعبر الحدودي الوحيد الذي يمكنني من خلاله الوصول إلى أي نقطة في شمال كمبوديا.
كنت المسافرة الوحيدة الأجنبية في الحافلة. مثل أي مرة أسافر فيها داخل لاوس. وصلت في اللحظة الأخيرة التي كانت الحافلة ستنطلق فيها. كانت المسافة تقريباً 7 ساعات لأجد نفسي في المحطة بعد الغروب. وهذا ما أكرهه في الحقيقة، حين أصِل مكاناً ما في الليل. كنت متخوفة، على الرغم من أنني في مدينة تعتبر كبيرة مقارنة بالقرية التي كنت فيها سابقاً. سبب الخوف هنا أنني في مكانٍ غريب، ولا احد يفهمني ولا أفهمهم. كنت في حيرة من أمري خاصة وأنني محطة الحافلة تبعد 20 دقيقة من وسط المدينة. مرة أخرى، خرائط قوقل غير دقيقة هنا. فيما مشياً عليّ قطع مسافات مظلمة جداً ومسافات مقطوعة، مع الحقيبة.
وبما أن الحيرة والخوف كان بادياً على وجهي، لم يكن أي من سائقي الـ”توك-توك” متهاونين في الأسعار التي طلبوها. أرخصهم طلب مني 50 ألف كيب (7 دولار) للمسافة القصيرة تلك. أو يمكنني الانتظار وركوب حافلة إلى وسط المدينة بحوالي 10 آلاف كيب. آثرت الانتظار ومَن حولي من المحليين غير متعاونين، ولا أحد يعرف متى تصل هذه الحافلة. وكنت مصرّة على الانتظار..
السبب الوحيد الذي جعلني أنتظر أنني رأيت فتاتين من المحليين ينتظران في نفس المحطة. لم نتحدث بالطبع بما أن لا لغة مشتركة بيننا. ولكنني كنت مطمئنة لوجودهما. خلال انتظاري ومراقبتي للوقت غادرت إحداهن. فيما وصلت سيارة لتُقِلّ الأخرى! بلعت خوفي حينها. وفي لحظة غير متوقعة، شعرت بترتيبة على كتفي. كانت أخت إحدى الفتاتين، تتحدث الإنجليزية بطلاقة. سألتني عن وُجهتي، وأخبرتها عن اسم الفندق الذي سأقيم فيه. كنت مخطئة حينما ظننت Pakse مجرد مدينة، إنها في الحقيقة مدينة صغيرة وأهلها يعرفون كل نقطة فيها. وليس بها أكثر من 5 فنادق كبيرة -ربما- ثم عدد كبير من المساكن المشتركة (Hostle) بما أنها الأنسب للرحالة الاقتصاديين.

Booking.com

المطبخ الماليزي في لاوس!

حسناً.. لست ممن يبحثون عن الأطعمة المألوفة حينما أسافر. وبالأخص لست ممن يبحثون عن الأطباق الماليزية أو العربية في سفري. وأحرص في كل بلدٍ أن آكل مما يأكل السكان المحلّيون، فهذا أحد أسباب سفري. يشكل مطبخ كل دولة بالنسبة لي ثقافتها وعاداتها. لذلك أهتم دائماً أن آكل مما يأكلون. لكنني في هذه المرة كنت متعبة نفسياً وجسدياً.
الطعام في لاوس ليس مختلفاً بحدّ ذاته عن كمبوديا أو تايلاند، بل هو متأثر به جداً. في كثير من المطاعم ستجد وجبات الأرز المقلي أو المعكرونة المقلية. حتى وإن اختلفت البهارات بشكل طفيف، يبقى الطعم في مجمله نفسه تقريباً. كان الرغيف المحشي بالدجاج والخضار أو البيض كذلك أحد الوجبات التي أحبها. لكنني وصلت إلى حد التعب منها جميعاً. التعب النفسي المتراكم في هذه النقطة جعلني أسأل نفسي مراراً وتكراراً لم أعذّب نفسي هكذا! هل يستحق السفر كل هذا العناء؟. ولنكن صريحين؛ نعم، يستحق. يزول التعب بالنوم، وتبقى التجربة ولذة الأشياء الجديدة..
حين وصلت إلى فندقي في باكسي، كان أول ما رأيت هو لوحة المطعم. لفتني اسم المطعم، لم يكن اسماً محلياً. “مطعم ياسمين“، اسم يتكرر في ماليزيا دائماً. ثم في أسفِله: طعام هندي وملايوي! كنت طِوال تواجدي في لاوس أخبر أصدقائي كيف أنني أشتاق إلى الطعام الماليزي. على الرغم من أنني لا أتناوله بكثرة في ماليزيا! اشتقت لوجباتٍ أعرف طعمها، ببساطة. كنت كمَن أنقذته السماء بهذا المطعم! وضعت حقيبتي سريعاً في الغرفة واتجهت مباشرة المطعم. قرأت اسمه مراراً. وقرأت قائمة الطعام وتأملتها جيداً. كنت كلما نقلت نظري بين سطوره أتخيل طعم الوجبات التي نتاولها في ماليزيا. اشتقت فقط إلى رائحة ماليزيا، إلى أي شيء منها. حتى أنني طلبت وجبتين بدلاً من واحدة! وخلال شهرٍ كامل قضيته في لاوس، كانت المرة الأولى التي أتلذذ فيها بطعامي.

ستدفع للخروج من لاوس!

سأقولها للمرة الأخيرة، في دولة مثل لاوس، لا شيء مجدول. كانت هذه أشبه بتربية نفسية لذاتي فيما يخصّ الخروج من منطقة الراحة. لا شيء في لاوس يسير وِفق جدولٍ معين.
بعد عودتي من العشاء؛ أخبرت العامل في الفندق أنني أريد المغادرة إلى قرية Banlung، شمال كمبوديا. وهي النقطة الأقرب تقريباً من لاوس. أخبرني أنّ الحافلة ستنطلق في الثامنة والنصف صباحاً. سألته عدة مرات عن نوع الحافلة، هل هي حافلة كبيرة؟ وكانت الإجابة: نعم. وأكّدها في كل مرة. في الثامنة والنصف من اليوم التالي أفاجأ بأنهم سيأخذونني مع رحّالة اقتصاديين آخرين في سيارة فان صغيرة! انتقلنا بالطبع من سكن وفندق إلى آخر لحمل المزيد من الرحالة، حتى توقفنا في مكانٍ ما للاستراحة. ثم في منتصف الطريق، طلبوا مني تغيير السيارة إلى أخرى هي الأصل المتوجهة إلى كمبوديا!

كنا أربعة أفراد في هذه الحافلة، وجميعنا الآن لا نريد سوى عبور الحدود مابين لاوس وكمبوديا. لم أعدّ الساعات حينها، فالوقت هنا غير مهم. وصلنا أخيراً إلى مبنى الجوازات، كنا مرهقين، ونعلم أن هذه المرحلة ليست الأخيرة لليوم. بعد أن ختم لي بالخروج طلب موظّف الجوازات دولارين. لم؟ لعمله يوم السبت! حسناً. صادف عبور الحدود يوم السبت، لم أكن أعرف ذلك. حين تسافر لمدة طويلة تفقد الإحساس بالأيام. أو على الأقل؛ يحدث هذا بالنسبة لي. أضع عادة منبّهاً هاتفي يذكرّني باليوم الذي علي مغادرة أي دولة بانتهاء التأشيرة السياحية. ما حدث هنا أن مسافر يعبر الحدود مابعد الرابعة عصراً أو في يوم من أيام نهاية الأسبوع عليه دفع دولارين لموظف الجوازات. سيخبرك موظف الجوازات بكل ثقة “Overtime”! وكأنه أمر عادي. وكأن عليك أنت كسائح دفع أجرته، وليس مَن يعمل لديهم..
كنت أعرف هذا مسبقاً. قرأته في تجارب الرحّالة الآخرين ممن جربوا عبور الحدود بين لاوس وكموديا. أخبرته أنني لا أملك سوى عملات من تايلاند، لاوس وماليزيا. اختر. وبالطبع قبِل 20 ألف كيب. وانتهت هنا المرحلة الأولى من عبور الحدود.

عبور الحدود إلى كمبوديا

إن كنت تظن أن العناء قد انتهي هنا، فأنت مخطئ! 🙂
طُلِب منا المشي مابين الدولتين. في المسافة مابين حدود لاوس وكمبوديا، حيث أرض الـ”لا أحد”. لم تكن المسافة بعيدة في الحقيقة، 10 دقائق مشياً. لكن، جرّبها في حرّ الظهيرة بينما تحمل حقيبة على ظهرك. كنا نضحك من أمر أنه لا تفتيش على الحقائب يحدث هنا. كل ما يريدونه هو أن تدفع لهم دولارين مقابل ختم الخروج. في المقابل، لا أحد يهتم -ربما- إن حملت معك أي شيء ممنوع إلى كمبوديا. لا تفتيش في الحدود البرية كذلك.
وصلنا مرهقين إلى مبنى الجوازات. كان شكله جميلاً في الحقيقة مقابل نظيره في لاوس. لا يهم، المهم الآن تأشيرة الدخول. أعرف مسبقاً أن تأشيرتي مجانية، لذلك لم أحمِل أي هم. تجربتي الأولى مع كمبوديا في السنة الماضية كانت جيدة. لذلك اطمأننت كثيراً إليهم. لكنني كنت مخطئة جداً! دخول كمبوديا من المطار يختلف تماماً من دخوله براً. هنا، موظف الجوازات له الحرية الكاملة في فعل أي شيء! ناولنا أحدهم ورقة صفراء، هي في الأساس الكشف الصحي، مقابل دولار عن كل مسافر. لم يكن هناك أي كشف صحي، وكل ما هو مكتوب مدون باللغة الخُميرية. لا شيء فيها بالانجليزية. تجاهلت هذا الأمر، لأنني أعرف أنه سيحدث أيضاً. إجراء روتيني عادي يقع فيه أي مسافر ينوي عبور الحدود إلى كمبوديا. في أي جهة منها.
ما كان مفاجأة حقيقية بالنسبة لي، حين أتمّ موظف الجوازات كل الأمور المتعلقة بجوازي، طلب مني دولارين. أخبرته أنني ماليزية، وبناءً على جوازي فتأشيرة السياحية 30 يوماً مجانية.فلم؟ للختم!. هكذا؛ مرة أخرى بكل بساطة. طلب رشوة في وضح النهار. لم يكن يهم المبلغ الذي يطلبه هنا، ما أثارني أنها “بلا حق”. أنها فساد، وأنني جزء منه. الأسوأ؛ أن لا أحد ممن أخبرتهم من الكمبوديين يعتقد أنها رشوة. لأنك “سائح”، كعكة، يجب أن يحصل الجميع على قطعة منها. حزّ في نفسي الأمر، ودفعته بعد جدال يائس. إجرائياً، وجودي مسجّل في نظام كمبوديا للجوازات. لكن لا شيء يثبت ذلك دون الختم بالطبع!

لم أكن أصدّق أننا أتممنا هذا الأمر أخيراً. عبور الحدود لم يكن سهلاً كما ظننه. ليست هناك أي مقارنة عادلة بين عبور الحدود هنا، والآخر الذي كان مابين تايلاند ولاوس. الأخير كان أكثر سلاسة، وسهولة، ووضوحاً.
بقيت الخطوة الأخيرة من كل هذا. الحافلة الأخيرة التي ستقلّني إلى قرية بانلونغ (Banlung). القرية التي نصحني بها ديريك الإيرلندي وهاقاي الإسرائيلي. كانا يعرفان جيداً نوع الأماكن التي أحب السكن فيها، فكانت بانلونغ. في هذه القرية قضيت أياماً هادئة رائعة غسلت فيها التلوث الذي حدث خلال عبور الحدود. سأحكي عنها في تدوينة منفصلة. كونوا بالقرب! 🙂

Booking.com

أهلاً! أنا أسما قدح وأنت تقرأ مُسوَّدة رحلاتي..
في منتصف الثلاثينات من العمر، تركت عملي في ماليزيا لتحقيق حلمي في السفر لأطول مدة ممكنة. أعلم، الفكرة مجنونة! وفيما أنت تقرأ "مُسوَّدة الرحلات" الآن قد أكون في إحدى غابات آسيا المطيرة، أو أشرب جوز الهند على شاطئ ما، أو أسبح مع أسماك القرش.
ما الفكرة من وجود المدونة؟ لأُلهِمك في تحقيق أحلامك والسفر أينما تريد، مهما بدا الأمر مستحيلاً. سأساعدك في تحقيق ذلك، وسأطلعك على أدلة السفر، والمغامرات، ومراجع ونصائح متعلقة بالسفر.. وأكثر!

أرشيف الرحلات
تابعني على تويتر!
مواقع ستساعدك خلال البحث والترتيب للسفر
Booking.com
Powered by 12Go Asia system