محاولة للتصالح مع كوالالمبور“، العبارة التي أكررها مراراً منذ عودتي الأخيرة إلى كوالالمبور، وحتى الآن بمرور سنة كاملة بدون سفر حقيقي. يقرأ أصدقائي كمّ الاستياء في تلك الجملة، وهم محقّون بشكل أو بآخر. استيائي ليس منشؤه الإقامة شبه الجبرية في كوالالمبور منذ يناير 2020، وإنما محدودية الحركة في ماليزيا، كبقية العالم. كنت -من باب المواساة- أراقب أسعار التذاكر في مايو الماضي، ثم أغسطس، ضمن ترتيبات العيش في إحدى الجزر البعيدة، وتصدمني الحقيقة دائماً بإغلاق الحدود. وحينما كانت القيود أخفّ وأصبحت الحركة أسهل، كنت أتردد غالباً لتخوّفي من الأرقام. تخيّل أنني في الشهور السابقة لم أذهب إلا إلى مدينة ملاكا، ثم مدينة كوالا ترينقانو، وجزيرة ريدانج. ولا يفتأ بالطبع أن يذكّرني أصدقائي كم أنا محظوظة في هذه الحياة، فقط لأنني في كوالالمبور.

ثم جاءت إحتفالات بداية السنة 2021، بينما أصدقائي متناثرين في مناطق ودول أخرى. لا احتفلات أو تجمعات مسموح بها، وفكرة السفر إلى مدينة أخرى لم تكن جيدة أيضاً. ليست هناك منطقة مثالية في الأساس، فولاية صباح لا تزال أرقامها تلك الفترة مرعبة، والجزء الغربي من ماليزيا مُملّ. مرة أخرى، كان عليّ التصالح مع كوالالمبور بقضاء ليلة في فندق وسط المدينة، وكأنني أقضيها في مدينة غريبة تماماً، دون أن يرافقني أحد، أو أعرف أحداً في المكان.

بين هذا وذاك، صادفت مقالة Niklas Göke، بعنوان Don’t Stop Living When No One’s Watching، والتي استأذنته في نشر النسخة المترجمة منها في المدونة. ذكّرتني المقالة بأمور كثيرة كانت تحدث لي شخصياً، وخاصة مع قلة الأصدقاء الآن في كوالالمبور.

العيش والحياة في كوالالمبور

لا تتوقف عن العيش حينما لا يشاهدك أحد

كنت أجلس وحدي في شقتي في إحدى ليالي ديسمبر الباردة. لقد تأخر الوقت ولن أكون منتجاً، لكنه لا يزال مبكراً جداً عن موعد نومي، فيما كنت جائعاً جداً حتى أقوم بأي من الإثنين. الحل؟ دمبلينغس (Dumpling). أوه، كنت أشتهي بعضاً من أكياس العجين اللذيذة تلك. أرسلت لبعض الأصدقاء لمعرفة إن كان يريد أحدهم مرافقتي، “إنني لست في المدينة”. “عندي موعد”. “آسف، لقد أكلت للتو”. شعرت ببعض من الإحباط، فكرت “ربما يجب أن أبقى في البيت”، “لا يزال لدي طعام في المنزل. الجو بارد على أية حال”.

أبعدت تلك الأفكار عني. ارتديت ملابسي، وسرت إلى المطعم. جلست وطلبت، وفي غضون دقائق كنت أتناول عشرات الأطباق الآسيوية الشهية. حتى أنني حصلت على حلوى بودينغ المانجو مجاناً. ممتاز!

قد يبدو هذا الموقف وكأنه حدث يومي غير مهم، وربما لا يعدّ حدثاً في الحقيقة. ولكنني أدركت بعد فوات الأوان؛ كانت هذه الحادثة إحدى الكثير من المواجهات التي نمر بها جميعاً بقوة رهيبة ومدمرة تسمى “الندم المحتمل”. لقد فزت في هذه الجولة لكنني اكتشفت أمراً صادماً: أهرب أحياناً مما أريد أن أقوم به فعلاً، لأنني وحدي.

القصة التي لا تتوقف

إن جلست متفرغاً لبعضٍ من الوقت، ستلاحظ أن عقلك يستمر في البداية في سرد ​​القصة التي يرويها دائماً. قد يكون الموضوع متعلقاً بالعمل أو بصديق، أو ما الذي يجب أن تأكله. قد تدور كل هذه الأمور في ذهنك وأخرى غيرها. في النهاية، ستدرك أنك تحكي قصة لنفسك. تقضي معظم وقتك في محاربة صمتك الداخلي. إننا نناقش ما إذا كانت التكنولوجيا تعزز ثقافة الهروب من الواقع، ولكن إن كنا صادقين، فإننا لسنا بحاجة إلى أجهزة من أجل ذلك. الرغبة في الهروب من نفسنا مبنية ضمن التجربة الإنسانية. إنها ميزة لا يمكننا التحكم فيها.

نحب الاعتقاد بأننا “نفكر”، لكن ما يحدث أن الأفكار تظهر للسطح وتغمرنا. الأمر طبيعي، فنحن لسنا إلا بشراً. لا يمكنك التفكير باستمرار في الأسئلة الوجودية المُختلف عليها. “من أنا؟ لماذا أنا؟ ما هو معنى الحياة؟”. ستقودك العديد من الجولات على عجلة دولاب الهواء إلى الجنون. في الوقت نفسه، إذا وضعنا حداً لهذه الأسئلة على الفور في كل مرة تظهر فيها، فإننا سنفقد عقولنا تماماً. وفي مواجهة هاتين النهايتين المرعبتين بنفس القدر من طيف الهروب من التفكير، تقوم أدمغتنا بعمل رائع: تتوقف متظاهرة بالموت، ثم تنهار على نفسها.

والفائز.. البؤس!

عندما اضطرت صديقة لي إلى اختيار موضوع رسالتها، بحثَت في العديد من الزوايا وتحدثت إلى العديد من أعضاء هيئة التدريس. انتهى الأمر إلى خيارين بعد أسابيع قليلة من العمل. عندما قبل رئيس واحد فقط طلبها، هنّأتها. تم اتخاذ قرار. كنت مخطئاً، ففي نظرها، ضاع خيار. لم يكن لديها أي تفضيل واضح قبل بدء العمل، ثم أصبحت مستاءة من إغلاق باب واحد بدلاً من الاحتفال والمشي عبر الباب المفتوح. ماذا فعلَت؟ رجعَت إلى العصف الذهني والتفكير في مزيد من الخيارات.

ربما يبدو هذا الأمر سخيفاً، لكنه صراع حقيقي يحدث لمجموعة حقيقية من الأشخاص، وخاصة المبتدئين في حياتهم المهنية في العشرينات من العمر. نعرف أن لدينا الكثير من الخيارات، ولذلك ننظر إليها جميعاً. دون أن نقرر أبداً، نشعر بالسوء تجاه الأشخاص الذين نفتقدهم، والأشخاص الذين قد نفقدهم، والأشخاص المثاليين الذين نعتقد أنه من الواجب تواجدهم في مكان ما، على الرغم من أنهم لم يفعلوا ذلك أبداً. هذا ما تفعله الوفرة فينا.

في كتاب الخيارات الوهمية “The Paradox of Choice“، أوضح باري شوارتز أن الاختيار يصبح أكثر صعوبة كلما كانت لدينا المزيد من الخيارات، وأصبح ارتكاب الأخطاء أسهل. يظل “الكمال” مستحيلاً كما كان دائماً، ولا نزال نشعر بخيبة الأمل إن لم نجده، على الرغم من معرفتنا بذلك.

ما تفعله صديقتي -ما يفعله معظمنا- لا يشتت انتباهنا بترفيه لا معنى له أو مشاكل وجودية، إننا نفعل ذلك بعدد لا يحصى من الحلول الجيدة للمشاكل المعقولة التي لا تعكس من نحن حقاً. فالحياة تعتبر سهلة إلى حدٍ ما بالنسبة للكثيرين منا اليوم. نعلم أننا سنتناول العشاء. التواعد مع أحدٍ لا يتعدى السحب يمنة أو يُسرة بأصبع. قد يكون عملنا مملًا، لكنه يؤتي ثماره. في أسوأ الأحوال، سنلغي اشتراك سبوتيفاي ونعود للعيش مع والدينا لفترة من الوقت.

يمكننا استخدام كل هذا الوقت والحرية لخلق أنفسنا. يمكننا أن نجرب أمراً جديداً، أو مع شخص ما نشعر بأننا متوافقين، ثم نسير في هذه الحياة حتى يثبُت أننا على خطأ. بدلاً من ذلك، نبدأ باتخاذ القرارات الخاطئة، ثم نتخوّف مما نخشى ما يمكن أن يحدث، وما كان يجب أن يحدث. إننا نختار أي نتيجة ننتهي بها لتكون النتيجة التي تجعلنا نشعر بالبؤس، ولذا فليس من المستغرب أن البؤس دائماً جزء من الصفقة. إنها ليست طريقة جيدة للعيش.

ما يعرفه البالغون من العمر 90 عاماً عن الفشل في أن يكونوا سعداء

تُبنى السعادة على العلاقات العظيمة. تعد روابطنا الاجتماعية إحدى -إن لم تكن أكبر- العوامل المؤثرة إيجاباً أو سلباً في رفاهيتنا. عندما أجرت الكاهنة ليديا سون مقابلة مع عدد من أعضاء مجموعتها في التسعينات من عمرهم حول الأمور النادمين عليها، أكدوا هذه الحقيقة: “ما يسرّهم وما يندمون عليه لا علاقة له بوظائفهم، بل بآبائهم وأطفالهم وأزواجهم وأصدقائهم.” وجدت سون أنه، على عكس ماهو متوقع، لم يكن الناس أسعد عندما كانوا صغاراً، ولا حينما أصبحوا متقاعدين، ولكن عندما كانوا أزواجاً وأمهات مشغولين، منشغلين في العمل، وتوفير لقمة العيش، والتواصل. لقد شعروا بالرضا أكثر من أي إنجاز مادري حينما كانوا نقطة الوصل التي تربط بين عالمهم الاجتماعي الصغير الخاص. في الوقت نفسه، فإن الفشل في كونهم نقطة الوصل تلك -تفويت مباريات كرة القدم، وقضايا الطلاق السيئة، والعلاقات بين الأب والابن- تسببت في ألم وحزن أكثر من أي فشل في وظائفهم.

بروني وير ممرضة رعاية ومؤلفة كتاب The Top Five Regrets of the Dying، أجرت دراسة أيضاً عن مشاكل المسنين. أخبرَتها إحدى النزيلات، وهي امرأة تدعى غريس، ما يمكن أن يكون الأسف الأكثر شيوعاً على الإطلاق: عيش حياة الظل.

ظلت غريس تتمتع بصحة جيدة في الثمانينيات من عمرها وتزوجت لأكثر من 50 عاماً. لقد ربّت أطفالاً وأحفاداً أصحاء، لكن ذلك جاء على حساب أحلامها. كزوجة، فعلت ما هو متوقع منها، وليس ما تريده. كان زوجها ديكتاتوراً إلى حد ما، وقد أجلت أحلامها بالسفر والعيش ببساطة إلى الوقت الذي ذهب فيه في النهاية إلى دار لرعاية المسنين. لسوء الحظ، بعد أسابيع قليلة فقط من تجربة الراحة والحرية التي كانت تتوق إليها طوال هذه السنوات، أصيبت غريس بمرض عضال. كان زوجها أيضاً مدخناً. في هذا الوقت تم تكليف بروني برعايتها، ولبضعة أسابيع، أصبحوا أصدقاء أثناء استعدادهم لوفاة جريس.

كلما عرَفت بروني عن قصة غريس، وكلما تشاركت قصتها، أصبح من الواضح أنه عندما تتحول علاقاتنا من نظام الدعم إلى حجر عثرة، فإنها تصبح المصدر الأول للندم: “من بين كل الأسف والدروس التي شاركوها معي أثناء جلوسي بجانب أسرتهم، كان الندم على عدم عيش حياة حقيقية مع أنفسهم هو الأكثر شيوعاً. كما أنها كانت السبب الأكثر إحباطاً، حيث لك يدرك العملاء ذلك إلا بعد فوات الأوان. أوضحت غريس في واحدة من العديد من المحادثات من سريرها: “ليس الأمر كما لو كنت أريد أن أعيش حياة رائعة”. “لكنني أردت أن أفعل أشياء من أجلي أيضاً، ولم يكن لدي الشجاعة.”

عندما نجمع دروس سون ووير معاً، يبدو أن هذه هي الرسالة: علاقاتك مهمة لسعادتك، لكنها تتطلب توازناً دقيقاً.

نظهر بأفضل شخصياتنا وحقيقتنا عندما لا نركز على أنفسنا كثيراً على الإطلاق. يجب أن نكون في خدمة الآخرين، ولا توجد سعادة أعظم من فعل الخير لمن نحبهم.  في الوقت نفسه، ولكي نشعر بأننا بأفضل شخصياتنا، نحتاج إلى تحديد بعض الأشياء بأنفسنا. لا يمكننا أن ندع علاقاتنا تطغى على أحلامنا. يجب ألا ننسى أنفسنا في علاقاتنا. من الطبيعي أن تتنازل في علاقاتك، ومن الطبيعي أن تأخذ الشراكة المقعد الخلفي عندما تبدأ عائلة -ولكن إذا انتهى أي من الاثنين بقمع رغباتك تماماً، فستصبح الحياة المزدحمة حياة غريبة، ولا يعد هذا أمراً مُبهِجاً حينما نتذكر سنيننا الماضية في سن الشيخوخة.

الآن، أنا سعيد حقاً لأنني أكلت تلك الدمبلينغ.

العيش بجرأة في صمت استعداداً للضوضاء

مثل كل شيء، فإن المحافظة على صدقك مع نفسك يبدأ صغيراً. لا يتعلق الأمر بالتخرج بامتياز أو اختيار الشريك المثالي. يتعلق الأمر بالاستماع إلى معدتك حينما تريد تناول الدمبلينغ.

ربما تكون الفكرة بسيطة جداً مثل تناول الطعام الأول الذي يتبادر إلى ذهنك. ولكن في كثير من الأحيان، حتى هذه الأعمال الممارسات الصغيرة قد تكون غير مريحة، خاصة إذا كان يجب علينا إدراك حقيقتها بمفردنا.

من الجيد أن تشعر بالوحدة، وأن تتطلّب دعم الآخرين، وأن ترغب في مشاركة الأشخاص بتجارب رائعة معهم. ما هو غير مقبول هو البقاء في المنزل وترك هذه الأشياء تهزم أحلامك، لا سيما إذا كانت صغيرة مثل تجربة متجر آيس كريم جديد. لا ترمِ حياتك مباشرة عندما يقل تأييد المحيطين بك مستقبلاً. لا تتوقف عن العيش عندما لا يراقبك أحد. اعتزّ. ارتدِ ملابسك. أخرج. ليس للآخرين ولكن لنفسك. لا تشعر بالأسف على نفسك كلما اضطررت إلى فعل ما تريد وحيداً. لا تدع العزلة تشلّك. ولست مجبراً على الضغط على نفسك لتحسين مجموعة كبيرة من الخيارات عندما تعلم أن معظمها غير ذي صلة. الأهم من ذلك كله، لا تقلق بشأن ما سيفكر فيه الناس؛ ماذا سيقولون إذا أدركوا أنك سعيد بمفردك.

كما يمكننا أن نتعلم من كبار السن، فإن السعادة لا تعني اختيار الأفضل – إنها تتعلق بحب ما اخترته. إن مقدار ما تمليه على النتيجة لن يكون مهماً بقدر ما يكون لك رأي. مهما كانت الفكرة التي تمتلكها، طالما أنك تؤمن بها ولا تشكك في نفسك، فمن المحتمل أن تكون راضياً. لا تخف من أن تكون المقاتل الوحيد من أجل القضية الصحيحة. لا تدع متاعب ثقتك الحقيقية بالفكرة يمنعك من أن تكون ما أنت عليه حقاً، لأنه يبدأ بالبيتزا المجمدة ولكنه ينتهي بالتذلل عند أقدام رئيسك السابق لاستعادة الوظيفة التي تكرهها.

تعلّم كيف تعيش بشكل صادق مع نفسك بطرق صغيرة وعندما لا يكون أحد في الجوار، حتى تتمكن من القيام بذلك أيضاً في مواجهة المسؤوليات المتزايدة باستمرار. شريك أو عائلة أو فريق أو مجموعة من المعجبين، عِش حقيقتك في صمت حتى تتمكن من فعل ذلك أثناء مشاهدتهم. الشخص الذي يجب أن يكون أكثر حماساً بشأن كل ما تفعله في الحياة هو أنت.

لا تنس ذلك أبداً، ولا تعتذر أبداً عن كونك ولدت لتكون، حتى لو كان ذلك يعني أنه في بعض الأحيان سيتعين عليك تناول العشاء بمفردك.

أترك رداً

تصفح أيضاً

سلطنة عمان: عبق التاريخ في نزوى