لم أفهم خلال السنوات التي عشتها في السعودية لمَ يحب الناس الصحراء، ولمَ يتشوّقون لليالي “الكشتة”، والسكن في الخيام. كانت الصحراء بالنسبة لي ليست أكثر من مجرد مكان كبير، وشاسع ليس فيه إلا “تراب” وغبار في كل مكان، ولا يمكنك فعل أي شيء هناك لتمضية وقتك. تغيّر الأمر تماماً حينما بدأت الحافلة تقترب من مداخل صحراء سيناء. اخترت فيها قرية نويبع، خلال زيارتي لمصر، السنة الماضية. أخبرني عنها أصدقائي حينما رغبت بشدة الابتعاد عن إزعاج القاهرة وزحامها. هناك مَن اقترح لي زيارة دهب على شاطئ البحر الأحمر، بما أنني أريد الغوص، ولاسيما الغوص في Blue Hole البحر الأحمر. هذا الأخير حلم كثير من الغواصين، وأنا منهم. أريد الغوص في أعماق البحر الأحمر قبل أن تموت الشعاب المرجانية بفعل الاحتباس الحراري.

نويبع سيناء مصر سينا ستار كامب

الاقتراب من صحراء سيناء

سلَبت صحراء سيناء قلبي منذ اللحظة الأولى التي دخلتها بالحافلة، أثارني شدة التنوّع التي تتميز بها. هنا سهول مفتوحة واسعة، وكثبان رملية عالية. ثم تلال من الحجر الرملي السريالي، وصخور منحوتة بفعل الرياح. ستجد أراضٍ ومساحات منبسطة، وهضابٍ تعطيك مناظر خلابة، وجبال وعرة. ولا تنسَ متاهة من الوديان الطويلة المتعرجة، والواحات الخضراء، والأودية الخفية. لم أتخيّل يوماً أنني سأحب الصحراء، أو أنني سأجد فيها ما يقنعني بجمال الصحاري بشكل عام. ومن العجيب أنك ستجد في صحراء سيناء عدداً من المواقع ذات الأهمية الأثرية، من العصور البيزنطية والفرعونية والنبطية.

شاطئ نويبع الذي احتضنني

لا تعتبر نويبع هذه الأيام منطقة سياحية نشِطة، وهذا ما شدّني إليها كثيراً. تمتد المدينة على طول 15 كم، وتفتقر إلى مركز محدد أو أجواء متماسكة، وتعتبر بشكل أساسي كميناء للعبّارة المتجهة إلى العقبة في الأردن. تتناثر مناطق الموانئ والمدينة على حد سواء، وتنتشر فيها النفايات وتتطاير فيها أجواء من الإهمال الخطير. لقد أصبح ترابين نفسه متداعاً أكثر من أي وقت مضى، وهو أمر مخزٍ لأنه مع القليل من الاهتمام  يمكن بسهولة أن تكون نويبع جنة المخيمات الشاطئية، والتي كانت دهب تُعرف بها قبل عقد من الزمن.

تطورت نويبع -التي تعني “فقاعات الينابيع” بالعربية- من مكان قاحل معزول بلا بنية تحتية إلى وجهة سياحية واعدة وجذابة. تم اكتشاف نويبع مؤخراً من قبل مستثمرين سياحيين قاموا بإنشاء فنادق على طول الساحل تربطها بطابا في الشمال ودهب في الجنوب.

تنقسم المدينة إلى ثلاثة أجزاء، من الجنوب ستجد الميناء والمدينة وترابين ومخيم البدو وشريط الشاطئ حيث يقيم معظم الرحالة. تفتقر مدينة نويبع إلى مركز اقتصادي، ولكن بها قطاع صغير من المطاعم الرخيصة ومقهى إنترنت وبعض محلات بيع التذكارات. وعلى طول الشاطئ في المدينة توجد بعض المنتجعات والمخيمات الراقية. إلى الشمال، بين ترابين وطابا، ستجد مخيمات بسيطة أكثر مما ستجده في ترابين. وقد خسرت الكثير من هذه المخيمات بشدة بسبب الافتقار إلى السياحة الإسرائيلية بعد تفجيرات طابا/رأس شيطان في عام 2004 وتفجيرات شرم ودهب اللاحقة، كونها الأماكن التي كانت تعتمد على الزوار الإسرائيليين، والتي تبدو الآن شبه ميتة ولديك فرصة كبيرة للعزلة على الشاطئ في هذه المنطقة.

نويبع سيناء مصر سينا ستار كامب شاطئ نويبع البحر الأحمر

أين سكنت في نويبع؟

أستخدم عادة موقع Booking.com لحجز الفنادق والمنتجعات، وحتى المساكن منخفضة التكلفة، وهذه المرة ستجد المخيمات الطبيعية. أفضّله مقارنة بالمواقع الأخرى لأنه يقدم عادة أقل الأسعار التي أجدها، إضافة إلى أنه مجاني، ويمكنك في أحيانٍ كثيرة تغيير التاريخ.

ستجد في نويبع مجموعة متنوعة من خيارات الإقامة المختلفة لتناسب معظم الميزانيات والأذواق، بداية من منتجع Nuweiba Club Resort وCoral Resort Nuweibaذات خمس نجوم، وصولاً إلى الفنادق الأصغر الموزعة على الشاطئ وبإطلالات على البحر الأحمر. ثم انتهاء بالمخيمات الاقتصادية الواقعة مباشرة على البحر الأحمر، وبأثاث بسيط جداً، في أماكن إقامة بسيطة بأكواخ من الخيزران. تتراوح الأسعار لشخصين في المتوسط من 40 دولار للفرد لليلة، إلى بضعة دولارات في كوخ ووجبة إفطار بسيطة في المخيمات.

نويبع سيناء مصر سينا ستار كامب شاطئ نويبع البحر الأحمر

مخيم سينا ستار

وصلت حدود نويبع البرية في الليل، أعتقد أنها كانت التاسعة ليلاً أو بعد ذلك. طلبت من سائق الحافلة أن يُنزلني عند المخيم الذي اخترته، بما أنه في طريقه إلى الوجهة التالية، لكنه امتنع عن ذلك طبعاً. أنزلني على طرف الطريق بعدما أخبرني من مكانه: هناك؛ ستجدين نفسك عند الميناء، ومنه يمكنك أن تذهبي إلى المخيم الذي تريدينه. العجيب أنها مدينة صغيرة، لا تكاسي، ولا أوبر طبعاً ولا حتى إضاءة في الطريق. وجدت سيارة “وانيت أبو غمارة” آتية نحوي بعدما أنزلني، يركبها بدويّان، يرتديان الشماغ والثوب الأبيض. أخبرتهما أنني ذاهبة إلى مخيم سينا ستار، سألاني: فرج؟. لا أعرف في الحقيقة مَن هو فرج. وأشارا عليّ بالركوب إلى جانبها، بعد أن رميت حقيبتي في الخلف.

تبادلنا الحديث بينما نحن في الطريق إلى المخيم، الشوارع مظلمة، ولا يمكنني رؤية أي شي. لا أتذكر وجهَيهما الآن، لكنني أتذكر أننا تحدثنا بعض الشيء عن نويبع، والغوص، وعن إقامتي هنا. اترجلت من السيارة سريعاً حين وصلنا المكان، وذهب أحدهما لينادي “فرج”، صاحب المكان، بينما ذهب الآخر ليعدّ الشاي.

فرج، عازف العود

استقبَلني فرج بنفسه في الساحة المشتركة من المخيم. سألني مَن أكون، وتحدثنا مطوّلاً عن نويبع، عن الحياة في صحراء سيناء، عن الناس، عن البحر، والطبيعة الجميلة. أخذني بعدها إلى كوخ صغير مبني من الخشب والجريد، عليه الرقم ثمانية، رقم الحظ عندي! تركت حقيبتي في الغرفة، وخرجت لأجلس مع فرج ومعلّم العود بجوار كوخي. تعرف مع المميز أكثر؟ كان القمر مكتملاً، يتوسط السماء الصافية، يضيؤها والشاطئ المطل على البحر الأحمر حولنا، دون أن تحتاج إلى إضاءة إضافية للمشي في جنبات مخيم سينا ستار.

Booking.com
موون على شاطئ البحر الأحمر

موون، قُمَر قلبي في نويبع

اقتربت من الطبيعة أكثر وأكثر خلال الأيام التي قضيتها في نويبع. رأيت ما لم أتخيل أنني سأراه يوماً على شاطئ البحر، هنا جمال تسير على الشاطئ، وكلب لا أعرف ما اسمه ينام بهدوء أمام كوخي. استيقظت في اليوم الثالث من إقامتي في نويبع لأرى هذا الكلب في الخارج، كنت أراقب معه الشمس ترتفع في السماء. جلست على جزء ترابي قريب من كوخي حينما ذهب “بييرو” ليطلب منهم إعداد إفطارنا. اقترب مني الكلب الكبير أكثروكنت أمسّد ظهره، أفكر في أشياء كثيرة. اقترب أكثر عند رجلي، ولم تمرّ دقائق حتى وضع رأسه. غرق قلبي في أعماقه، وشعرت بكل الحب له.

طلبت ذلك اليوم من فرج أن يجد لي كلباً صغيراً، أسمّيه، وأتبنّاه، ويكون طفلي هنا حتى أعود في مايو. جاءني فرج في اليوم التالي حاملاً جرواً صغيراً هادئاً، يتوسط جبينه نقطة بيضاء، ذكّرتني بالبدر الذي كان يضيء السماء حينما وصلت المخيم. موون، أو كما يُنادونه “قُمر” هناك لا يزال ينتظرني في نويبع. كان من المفترض أن أعود إليه في مايو هذا العام، لكن الفايروس منعني من ذلك بالطبع. والآن، لا أعتقد أنه من العدل أن أجلبه إلى كوالالمبور، فهناك، يجري “قُمر” على شاطئ البحر الأحمر، ويتسلق مع فرج والصبية الآخرين جبال صحراء سيناء. موون جمّل خاتمة السنة الماضية، ولن أستطيع كسر قلبه.

وادي الواشواشي نويبع سيناء مصر

المشي إلى وادي الوشواشي في صحراء سيناء

الجواهر الخفية والمواقع السياحية في مصر في كل مكان حولنا، سواء كنا متجهين شمالاً أو جنوباً. وادي الوشواشي هو مجرد أحد تلك الأماكن التي تقع خارج المسارات المعروفة، ومع ذلك فهي تخطف الأنفاس. في طريقك إلى جنوب صحراء سيناء، يقع وادي الوشواشي بالقرب من مخيم رأس الشيطان، على بعد 15 كيلومتراً فقط من نويبع. وهي مدفونة في أعماق جبال جنوب سيناء حيث تحتوي الجبال على الجرانيت.

يحتوي وادي الوشواشي على ثلاثة ينابيع مائية تشكلت بعد قرون من تجمع الأمطار في ثنايا الجبال. الينابيع الموجودة هناك دافئة وواضحة بسبب الجبال المصنوعة من الجرانيت. من خلال المشي لمدة 90 دقيقة أعلى الجبل، الذي يبلغ ارتفاعه 150 متراً فوق مستوى الماء، يمكن للمرء أن يحدق ويستمتع بنبع ماء مكون من ثلاثة أجزاء، يُعرف باسم “البحيرة الخضراء”. ينطلق المسافرون خلال اليوم إلى الموقع الأول بينما لا يمكن الوصول إلى المنطقتين الأخريين إلا عن طريق السباحة من خلال الأول. وعلى الرغم من روعة هذا المكان وغموضه، إلا أنه لا يحظى باهتمام كبير من الناس، ويزوره في الغالب البدو الذين اكتشفوا هذا الجمال الخفي وحافظوا عليه. كما ينظم البدو العديد من الرحلات إلى الوادي. يأخذون ضيوف نويبع عبر سيارات الجيب ويقدمون لهم خدمة كاملة حتى اليوم.

وادي الواشواشي نويبع سيناء مصر

مرشدنا ذو الخمس وستين عاماً

رتّب “بييرو” رحلتنا مع العم فرج، مرشدنا ذو الخمس وستين عاماً. كان يتسلق المكان حافياً، بينما يدخن، ويسبقنا بمسافات بعيدة دون أن تنقطع أنفاسه. سألته عن الاسم، وأخبرني أنها يعود إلى صوت الرياح المتدفقة فوق سطح بحيرة (وششششش).

يعتبر هذا الوايد جوهرة مخفية، وكان البدو يجلسون ويستمعون إلى الرياح وهي تندفع فوق سطحها وهي تتطاير عبر الجبال، ولا شك في أنهم يمارسون السباحة بين الحين والآخر. في المقابل؛ يظل الماء دافئاً لأن الجبال المحيطة بها تحتوي على الجرانيت الذي يمتص حرارة الشمس أثناء النهار. وادي الوشواشي جزء من وادي أكبر يسمى وادي المالحة، ويتألف من ممرين. واحد يؤدي إلى البحيرة، والآخر يؤدي إلى واحة جميلة في وسط الجبال مع أشجار النخيل التي تزدهر على المياه الوفيرة في المنطقة.

إن التواجد في هذا المكان ببساطة ترضي روحك بقوى الطبيعة الخام، وتعيد تنشيطك لحياة المدينة المزدحمة. لن تجد في الوادي وسائل راحة، وغالباً ما يجلس الزوار تحت أشجار النخيل وينغمسون في منظر المياه الطبيعية بين الجبال والاستمتاع بالرياح المندفعة فيها.

نويبع سيناء مصر سينا ستار كامب

كيف تقضي وقتك في نويبع؟

نويبع هي أقرب موقع في سيناء للقيام بأكثر الرحلات الصحراوية شيوعاً. يمكنك هنا الانخراط في الكثير من الأنشطة المناسبة لكل الأعمار، ولن تضطر دائماً أن تكون لياقتك البدنية عالية. اسأل مستضيفك عن: جبل سيناء، ودير القديسة كاترين، الأودية الملونة، ركوب الجمال، زيارة قلعة زمان، الوادي الأبيض وواحة عين خضرة. وفي المساء؛ يمكنك ببساطة قضاء أمسية هادئة، والاستمتاع بعشاء بدوي لذيذ أثناء مشاهدة النجوم. لا تنسَ أن نويبع وجهة للاسترخاء، لذا فإن الحياة الليلية تتكون من المطاعم الهادئة، والتجول في الكورنيش، وزيارة متاجر الهدايا التذكارية، أو لعب البلياردو.

أفضل وقت لزيارة نويبع

كمنطقة مشمسة على مدار السنة فإنه يمكن زيارة نويبع في أي وقت. عادةً ما تكون الرياح أكثر قوة في الأشهر الأولى من العام، مما يؤدي إلى انخفاض درجة الحرارة، لذلك احمل معك ملابس مدفّئة بين فترات الغطس أو المساء. فيما يعتبر الصيف حاراً بشكل عام، لذا إذا لم تكن تحب الطقس الحار، فعليك تجنب الوقت بين يوليو وأكتوبر. وإذا كنت قادماً إلى نويبع لمجرد الغوص، فإن معظم الحياة البحرية موجودة على مدار العام. أما إذا كان هناك شيء معين تريد رؤيته، كالدلافين، فتحدث إلى مراكز الغوص المحلية للحصول على معلومات حول أفضل وقت قادم. موسم الذروة هو من يوليو إلى نوفمبر، وخلال هذه الأشهر وكذلك في عيد الميلاد وعيد الفصح، يوصى بشدة بحجز مكان إقامتك ورحلات الغوص مسبقاً.

البحر الأحمر نويبع صحراء سيناء مصر

كيف وصلت وغادرت نويبع؟

تخطيطي غير الثابت عنى شيئاً واحداً، ارتفاع تذاكر الطيران. لم أجد رحلات جوية منخفضة التكلفة بين القاهرة ونويبع (شرم الشيخ)، ولذلك اخترت أن أسافر بالحافلة. ولو كنت تظن أن السفر بالحافلة في إندونيسيا سيء، فهنا شبيهه في مصر. محطة الحافلة غير مخدومة أبداً، كل المحلات فيها مغلقة، وكل شيء فيها يعلوه الغبار. كان يجلس إلى جواري جندي صغير، يتحدث من أعماق قلبه/بطنه في الهاتف ويصرخ، لم يتوقف حتى طلبت منه أن يبتعد عن كرسيي إلى آخر. كانت المسافة على الخريطة قريبة جداً، ولكنها في الحقيقة تستغرق أكثر من عشر ساعات، يتخللها الكثير من التفتيش والتوقف المتكرر، والسائق الذي كان يدخن في الحافلة. لم يخفف من المأساة هذه في عيني سوى المناظر الجميلة التي لم أتخيلها أبداً.

ولأنني لا أريد تكرار المعاناة، قررت المغادرة بالطائرة من شرم الشيخ إلى القاهرة. حجزت التذكرة أسبوعاً قبل الرحلة، وكانت بسعر معقول، لكنه لا يزال عالٍ مقارنة بالطيران الاقتصادي في آسيا وأوروبا طبعاً. مطار شرم الشيخ هو الآخر صغير، كان لا يزال حينها قيد التجديد، ويبدو أنه أصبح أفضل مما كان عليه. العجيب، أن لا غرفة للتدخين هناك، وستجد نفسك فجأة في جزء مخصص للتدخين في قاعة الانتظار!

أترك رداً

تصفح أيضاً

سويسرا: التزلج في قريندلفالد والشتاء في لوتربرونين