كانت القاهرة إحدى المدن التي لم أعرف كيف أصنّفها، فمن جهة؛ لم أرِد زيارتها بحكم الزحام الشديد الذي أكرهه، ومن ناحية أخرى، أنها من ضمن “مدن يجب زيارتها” لأي مسافر. على الرغم من ذلك؛ كانت ولا تزال مصر من الدول التي وضعتها في قائمتي، بقرى وشواطئ أردت زيارتها دائماً، بما أنني لا أعرف إلا الضئيل عنها. إنها أيضاً المنطقة المثالية لحرصي على الوجود في بلد لا يزال طقسه بارداً، متوسط جغرافياً ما بين سلطنة عُمان التي يجب أن أزورها، وأوروبا التي يجب أن أعود إليها ثانية. لذلك؛ وقع الاختيار على القاهرة، ومن هناك كنت سأخطط أي المدن أو البلدات أزور.

تركت إسطانبول التي قضيت فيها فترة طويلة تكفي وأكثر. أنهيت فيها أعمالاً كثيرة وسط السهر مع محمد، وشرب الكثير من القهوة، والتسكع على الشاطئ مع فاطمة. توجّهت إلى بيروت لقضاء ليلة واحدة فيها، للقاء بهجت، صديقي اللبناني الذي لم ألتقيه لسنوات طويلة. كانت الساعات التي قضيتها هناك جميلة للغاية، مشيت في بعضٍ منها ريثما يُنهي بهجت بعضاً من الأعمال. وفي الليل، كان الوقت مثالياً للقيادة في شوارع لبنان ورؤيتها من النافذة الصغيرة، ثم السهر في إحدى مطاعمها الأنيقة.

القاهرة مصر

مصافحة أولى مع القاهرة

رأيت القاهرة على مرحلتين خلال وجودي في مصر. كانت أول فترة 4 أيام، أردت خلالها رؤية القاهرة بطريقتي الخاصة، مجرد المشي والتسكع في شوارعها يكفي ليجعلني أراها بعيداً عن المناطق السياحية المشهورة. أو ربما أردت أن أرها بأعين أصدقائي، كما يراها “تامر”، الذي لم يحبّذها بعدما قضى سنواتٍ طويلة خارجها. ثم بعين “أمل”، التي لا تزال تزور مصر شبه سنوي لزيارة عائلة والدتها.

حين وصلت، فهِمت لماذا كانوا يقولون لي ستصابين بصدمة نفسية إن زرت القاهرة بعد تركيا. كل شيء في القاهرة باللون “البيج”، كل شيء يعلوه الغبار، حتى يدي أصبحت أغسلها هناك مرات ومرات حتى أُبعِد التراب. سائق أوبر كان يجوب الشارع وكأنه في سباق مع الزمن، انتبه إلى أنني أصور بالفيديو طريقة القيادة، وعلّق على أنه لا يحب القيادة بهذا الشكل، لكنه مضطر!

زي اللي في الأفلام بالزبط!

علّق أخي الأصغر حينما رأى مقطع الفيديو الذي سجّلته في الأعلى “زي اللي في الأفلام بالزبط!”. الشوارع المغبرّة، والشمس، والبنايات بلون البيج، والعلامة الطبيعية “زمامير السيارات” التي تسمعها من كل اتجاه. وكنت خلال هذه الأيام فعلياً أمشي في شوارعها بينما أتذكر المسرحيات والأفلام والمسلسلات المصرية التي شاهدتها في سنوات الطفولة والمراهقة.

كان من الطبيعي كسائحة أو مسافرة أن أزور المناطق السياحية المعتادة، لكنني كالعادة؛ أردت استكشافها هذه الأيام على طريقتي الخاصة. سألت عامل الفندق الذي سكنت فيه عن أفضل وأقرب محلي كشري من هنا، وكان كشري التحرير أول تجربة. عرفت من اللقمة الأولى أن أي كُشري يبيعونه في ماليزيا ماهو إلا “مزحة”، أو محاولة بعيدة جداً عن الكشري المصري، وأخبروني على تويتر فيما بعد أن علي تجربة كشري “أبو طارق”. تعرف ما العجيب؟ أن الكثير من المصريين الذين التقيتهم لا يروق لهم الأخير، ويفضلون الأول. ولكنني جربته طبعاً، على الأقل هذه المرة مع “تامر” الذي كان يصرّ دائماً على أن أعيش التجربة المصرية قدر الإمكان.

ليالي القاهرة مصر

القاهرة التاريخية والجغرافية

القاهرة، “المنتصرة”، عاصمة مصر، وإحدى أكبر المدن في أفريقيا. اتخذت القاهرة لأكثر من 1000 عام نفس الموقع على ضفاف النيل، بشكل أساسي على الشاطئ الشرقي، على بعد حوالي 800 كم من السد العالي في أسوان. تقع القاهرة في شمال شرق البلاد، وهي بوابة دلتا النيل، حيث ينفصل النيل الأدنى إلى فرعي رشيد ودمياط. تتكون متروبوليتان القاهرة من محافظة القاهرة، بالإضافة إلى مناطق أخرى ينتمي بعضها إلى المحافظات المجاورة مثل الجيزة والقليبية.

طابع المدينة

تعتبر القاهرة مكاناً متبايناً بشكل واضح. على طول الخط الساحلي المروي، تشترك النباتات المورقة والمناظر الطبيعية مع ناطحات السحاب الطويلة. فيما تقع الأحياء الداخلية القديمة إلى الشرق، تحت سفوح الصحراء الشرقية والنتوءات الصخرية لتلال المقطم والجبل الأحمر، فيما تعتبر درجات اللون البني والأصفر هي الألوان السائدة للأرض. والمباني.

تقارن المدينة القديمة والجديدة، بين الشرق والغرب. تقع أهرامات الجيزة، بالقرب من ممفيس، على الحافة الجنوبية الغربية للمدينة، وتمثل المسلة في الشمال الشرقي موقع هليوبوليس، حيث درس أفلاطون ذات مرة. وبين هذين الطرفين توجد آثار معمارية أخرى تعود إلى العصور الرومانية والعربية والتركية. وبالإضافة إلى المتاجر الكبرى ودور السينما والفنادق والمنازل، تحتوي القاهرة على بازار كبير لا يزال يزخر بالتجارة، ومدينة من القرون الوسطى واسعة شبه مسورة بها أكثر من 400 أثر تاريخي مسجل، بما في ذلك المساجد، والأضرحة، والبوابات الحجرية الضخمة.

موقع المدينة

تتخذ القاهرة شكل مروحة، أضيقها في الجنوب حيث وادي النهر محشوراً بين منحدرات صحراوية، وأوسعها في الشمال حيث يمتزج الوادي مع الدلتا. وعلى مر القرون، توسعت المدينة غرباً، حيث تركت قناة نهرية متراجعة الأرض، وخالية من الفيضانات. واستجابة للطلب المتزايد، تم تمديد المدينة أيضاً إلى الشمال والجنوب، وطورت ملحقاً موسعاً على الشاطئ الغربي للنيل.

المتحف المصري القاهرة

بين جنبات المتحف المصري

حتى الآن، يعتبر المتحف المصري لدي أفضل متحف زرته في السنتين الماضيتين. تأسس متحف الآثار المصرية في القاهرة خلال القرن التاسع عشر على يد عالم المصريات الفرنسي أوغست مارييت، ويضم المجموعة الأكثر قيمة من نوعها في العالم. تأسس المتحف المصري عام 1858 في بولاق، وانتقل إلى الجيزة، وانتقل إلى موقعه الحالي بين عام 1897-1902.

إنه فريد من نوعه، خاصة في طريقة عرضه لتاريخ الحضارة المصرية بالكامل، وخاصة آثار العصر الفرعوني والعصر اليوناني الروماني. يحتوي على أكثر من مائة ألف قطعة، تشمل حوالي 1700 قطعة من قبر توت عنخ آمون، بما في ذلك القناع المصنوع من الذهب الخالص الذي غطى رأس الفرعون. تشمل الكنوز الأخرى النقوش، والتوابيت، والبرديات، والفنون الجنائزية، ومحتويات مختلف المقابر (بما في ذلك مقبرة الملكة حتب حرس) والمجوهرات والحلي من جميع الأنواع وأشياء أخرى. كما يوجد تمثال للملكة “حتب حرس”، وهو من أقدم الأمثلة من نوعه، كما يوجد تمثال من الجرانيت الأسود للملكة “نفرتيتي”، ويُظهر تمثال “أمنحتب الثاني” أنه الإله تنين. هناك أيضاً تماثيل جرانيتية للملكة “حتشبسوت”، بالإضافة إلى تماثيل ضخمة لأمنحتب الرابع (أخناتون) من الكرنك. يضم المتحف أيضاً مجموعة صغيرة ولكنها رائعة من صور الفيوم من العصر الهلنستي والعصر الروماني.

المتحف المصري القاهرة

أربعة ساعات للمتحف؟ فكّر جيداً! 

كان اليوم قد انتصف حينما قررت زيارة المتحف، ظننت أن ساعتين قد تكفيه تماماً، ولكنني كنت مخطئة. وصلته في الظهر ولم أنتهِ من زيارته مع موعد إغلاقه ذلك اليوم، قضيت 4 ساعات كاملة ووددت لو أنني قضيت اليوم بأكمله هناك.

من بين مجموعة المتحف التي لا مثيل لها المدافن الكاملة ليويا وتويا، بسوسينس الأول وكنوز تانيس، ولوحة نارمر التي تخلد ذكرى توحيد مصر العليا والسفلى تحت حكم ملك واحد، والتي تعد أيضاً من بين القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن في المتحف. كما يضم المتحف التماثيل الرائعة للملوك العظماء خوفو وخفرع ومنقرع، بناة الأهرامات في هضبة الجيزة. وستندهش من وجود مجموعة كبيرة من البرديات، والتوابيت، والمجوهرات من بين أشياء أخرى في هذا المتحف الفريد من نوعه. وأعتقد أنه الوحيد الذي لم أندم على زيارته.

كافيه ريش القاهرة

كافيه ريش، مقهى العظماء

بداية من مقاومة الاحتلال البريطاني في مطلع القرن العشرين، وخلال الثورة التي أطاحت بالرئيس المصري حسني مبارك في عام 2011، لعب كافيه ريش (Cafe Riche) في القاهرة -ولا يزال- دوراً مركزياً في الحياة السياسية والثقافية في مصر. لم أكن لأعرف المقهى لولا “تامر” الذي اقترحه عليّ، والذي أراد تجربته أيضاً منذ مدة.

يقع هذا المقهى القديم جداً في ميدان طلعت حرب وبالقرب من ميدان التحرير، وقد نجا خلال أكثر من قرن من التقلبات والانعطافات في تاريخ مصر السياسية والاقتصادية والأدبية. تأسس عام 1908، وأعطي مقهى ريش اسمه الحالي في عام 1914 من قبل مالكه الفرنسي هنري ريسين. باعها بعد ذلك بوقت قصير لرجل الأعمال اليوناني وعاشق الفن مايكل نيكوابوليتس الذي أضاف مسرحاً يضم فنانين بارزين من بينهم المطربة المصرية الأسطورية أم كلثوم. واليوم؛ يُدار كافيه ريش من قبل عائلة مالكها المصري الأول عبد الملك ميخائيل صليب، الذي يمتلكه منذ عام 1962.

كان مقهى ريش في قلب انتفاضة 2011 ضد نظام مبارك. كان الشباب الذين نظموا الانتفاضة يأتون إلى المقهى كل صباح، ويحصلون على قهوتهم الصباحية المجانية والسندويشات، ثم يتوجهون إلى ميدان التحرير للانضمام إلى عشرات الآلاف من الثوار الآخرين المناهضين لمبارك. لقد عقد الثوار اجتماعات سرية في قبو المقهى خوفاً من رجال شرطة مبارك.

لقد تغيرت الأمور والمباني حول كافيه ريش، ولكن يبدو أن الساعة في الداخل قد توقف. كل شيء هو نفسه: الطلاء، والصور على الجدران، والطاولات والكراسي، وتصميم الأثاث. إنه أكثر من مجرد مقهى في قلب القاهرة. لقد كانت ملتقى المثقفين والثوار المصريين، وشهد العديد من الأحداث الهامة التي ميزت تاريخ مصر الحديث.

صالون نجيب محفوظ الأدبي

كافيه ريش هو أيضاً نقطة الالتقاء المفضلة لمشاهير الأدب المصريين، مثل يوسف إدريس ونجيب محفوظ ويوسف السباعي، وصناع التاريخ الحديث، بمن فيهم الرؤساء جمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد نجيب. وهنا؛ عقد قادة ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني اجتماعات سرية في الطابق السفلي للمقهى واستخدموا آلة طباعة المقهى -التي لا تزال قائمة- لطباعة كتيبات سياسية. فيما كان السادات زائراً منتظماً لمقهى ريش كضابط مبتدئ في الجيش. ومن المفارقات أن السادات أمر بإغلاق المقهى بعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة في عام 1971. ولم يكن يتسامح مع انتقاد موظفي المقهى لسياساته.

من بين صور أبرز زوار المقهى الذين يصطفون على الجدران أم كلثوم، نجيب محفوظ، والممثل المصري رشدي أباظة وغيرهم. تعرف ما الجميل هنا أكثر؟ كان لدى نجيب محفوظ منتدى أدبي أسبوعي في إحدى الغرف! كان هو وغيره من الشخصيات الأدبية يقضون ساعات في الحديث عن الاتجاهات الأدبية والسياسة والاقتصاد.

الجدير بالذكر أنه قبل بضع سنوات، كان كافيه ريش سيضيع هباءً عندما دفع رجل أعمال ملايين الجنيهات المصرية لشراء المبنى الذي يقع فيه. خاض حينها صليب معركة قانونية شجاعة ضد هدم المبنى وانتصر فيها.

خان الخليلي ليس بمكان جيد! 

لو أخبرني أحد أنني سأعطى جائزة عظيمة مقابل الذهاب مرة أخرى إلى مقهى الفيشاوي وخان الخليلي، فسأترك تلك الجائزة وأخرى له. لا أعرف ما المميز فيه، ربما الزحام، وهو ما أكرهه بشكل كبير.

الهدف الرئيسي من زيارة خان الخليلي هو لقاء “أمل”، التي تعيش في كوالالمبور لكننا لم نلتقي منذ سنوات، وكانت المصادفة الجميلة أنها ستقضي أسبوعين آخرين في مصر. كان من الضروري أن نلتقي طبعاً، وأن تجعلني أرى القاهرة كما تراها هي! كان الوقت يمرّ سريعاً ونحن نتحدث عن كوالالمبور، والعمل، والحياة. أين ذهبت في مصر، وأين يمكنني الذهاب بعد القاهرة التي بدأت أزهق من تلوّثها. وفي الحقيقة؛ أعتقد أن المكان جيد لمَن يزور القاهرة كسائح ويريد رؤية كل شيء موجود في كتيب الرحلات. وهذا طبعاً لا ينطبِق علي. لم أرد التجربة التجارية المقولبة، ومع ذلك ممتنة أنني زرت المكان، لأقول أنني “كنت هناك”، ورأيت فعلياً ما يتحدث عنه السائح العربي في مصر.

Booking.com

أترك رداً

تصفح أيضاً

سويسرا: التزلج في قريندلفالد والشتاء في لوتربرونين