تتذكر حلم بناء بيت أو كوخ صغير على الشجرة؟ حلّم الطفولة الذي يراود خيالنا منذ الصغر. كنت أظن في الماضي أنني لن أراه سوى في الأفلام والروايات، وربما لن أحظى بفرصة الاستمتاع بالجلوس فيه يوماً ما. ولكن يبدو أن هناك مَن قرّر أن يحقّق حلمه، وحلمنا في بناء بيت الشجرة، حينما بدأ في إنشاء مخيم مراسينا على الطراز البيئي بجزيرة فطناس التي تقع في واحة سيوة. الجميل أن السيد “تامر” أختار موقعاً ساحراً لتحقيق حلمه.  فجزيرة فطناس هي وجهة أساسية لمَن يقوم بزيارة واحة سيوة لسبب جوهري، سأحدثك عنه بالتفصيل بعد قليل.

مخيم مارسينا في واحة سيوة جزيرة فطناس على الطراز البيئي

التخطيط لزيارة مخيم مراسينا بجزيرة فطناس في واحة سيوة

بينما كنا نُعد -أنا وأسما قدح ـ لزيارة واحة سيوة والسكن في فندق تاليست لمقابلة سيدة الفندق، نبيلة عزيز، خطر لنا اكتشاف فندق أخر خلال نفس الرحلة. لم لا، والوصول إلى الواحة يستغرق أكثر من 10 ساعات بالسيارة -وسيلة المواصلات الوحيدة للواحة حتى الآن- من القاهرة، فلم لا نكتشف فندقاً آخر في نفس الزيارة؟ حاولت خلال البحث أن أجد فندقاً ذو طابع مميز ويعتمد على الطراز البيئي أيضاً؛ لأقدم لكم تجربتين مختلفتين. في هذه الأثناء وقعت عيني على صور مُخيم مارسينا. فشددت الرحال إليه؛ لاكتشافه وتجربة الإقامة فيه.

واحة سيوة

واحة سيوة

تقع واحة سيوة أقصى صحراء مصر الغربية، قُرب الحدود الليبية، وعلى بعد 65 كم. كما تبعد حوالي 820 كم عن القاهرة -عاصمة مصر- وحوالي 300 كم عن ساحل البحر المتوسط إلى الجنوب الغربي من مرسى مطروح. يعمل أغلب سكان واحة سيوة بالزراعة أو السياحة. كما تعتبر الواحة من أشهر أماكن السياحة العلاجية في مصر. تتميز الواحة أيضاً بالمناخ القاري الصحراوي فهي شديدة الحرارة صيفاً، أما شتاؤها فدافئ نهاراً وبارد ليلاً، لذلك تعد من أشهر المزارات الشتوية في مصر.

ينتشر في أرجاء واحة سيوة الآبار والعيون التي تستخدم لأغراض الري والشرب والعلاج. ستجد بها أيضاً أربع بحيرات كبرى، وعدّة أماكن أثرية مثل معبد آمون، ومقابر جبل الموتى. فيما أعلنت مؤخراً أن بها محمية طبيعية تبلغ مساحتها 7800 كم، تضم عدة أنواع لأشكال الحياة الحيوانية والنباتية.

يتحدث أهل الواحة لغتين أساسيتين، الأمازيغية -اللغة الرسمية- يتحدثون بها مع بعضهم فقط، والعربية مع أي ضيف عربي، وبعضهم يجيد الإنجليزية، بحكم طبيعة عملهم في السياحة.

مخيم مارسينا في واحة سيوة جزيرة فطناس على الطراز البيئي

فطناس، أشهر الجزر في واحة سيوة

 يقع مخيم مراسينا داخل جزيرة فطناس، أحد أشهر الجزر الساحرة داخل الواحة. تعتبر الجزيرة قريبة من وسط مدينة سيوة، فهي تقع على بعد حوالي 5 كيلو فقط.  تجمع جزيرة فطناس بين كل الظواهر الطبيعية من مياه، وجبال، وبحر الرمال الأعظم، وأشجار النخيل التي تملأها لتضفي روحاً ساحرة، وجذابة لكل زوار الواحة.  حتى أن أهل الواحة يحبون السباحة في بحيرتها المالحة، ويبدو أن بينهم وبينها علاقة خاصة.

تعني كلمة فطناس في اللغة الأمازيغية “سيخت آم” وتعني باللغة العربية “واحة الغروب” ويطلق عليها أيضا “واحة الخيال”، سميت بالعديد من الأسماء على مر العصور. يقال أنها منذ حوالي 30 عاماً كانت كلها أرض زراعية، ثم بدأت تتكون فيها البحيرات، ليظهر لنا هذا التناسق الخلاب بين أشجار النخيل والماء والرمال اللامعة.

مشاهدة الغروب في جزيرة فطناس مخيم مارسينا في واحة على الطراز البيئي

جزيرة فطناس ومشاهدة الغروب الأجمل في واحة سيوة

مشهد الغروب الساحر بالجزيرة جعلها مقصداً رئيسياً لكل زوار الواحة. الجملة الأشهر من بين توصيات أصدقائي قبل الإنطلاق إلى واحة سيوة: “لا يفوتك مشاهدة الغروب من جزيرة فطناس”. التوقيت الأفضل لزيارة الجزيرة -للزوار غير المقيمين بمخيم مراسينا- يبدأ من قبل غروب الشمس بحوالي ساعة. يمكنك البقاء في الجزيرة لفترة بعد مشاهدة الغروب، والاستمتاع بمشاهدة ألوان أشعة الشمس المختلطة مع السحاب والتي تمثل منظراً رائعاً.

مخيم مارسينا في واحة سيوة جزيرة فطناس على الطراز البيئي

كيف تبدو جزيرة فطناس؟

تتزين جزيرة فطناس بأشجار النخيل المميزة التي تأخذ أشكالاً مختلفة، لتشكل منظراً لطيفاً، وتُنتج بلحاً لذيذاً. من المعروف أن بلح واحة سيوة لا مثيل له؛ لذا لا تنسى وضعه ضمن قائمة التسوق قبل مغادرة الواحة. عند وصولك للجزيزة ستجد نفسك بين خليط من الرمال ومياه البحيرة الشفافة التي تعكس ألوان السماء، لتمثل أمامك لوحة فنية. تضم جزيرة فطناس عين ماء تسمى عين فطناس، تضم 10 منابع يخرج منها المياه، يصل عمقها إلى حوالي 7 أمتار. درجة حرارة المياه بها متوسطة، وهذا يعني أنه يمكنك السباحة فيها خلال أي وقت بالسنة. تبدو هذه العين من بعيد رائعة؛ لأنها محاطة من كل اتجاهاتها بالشجر والنخيل.

Booking.com
مخيم مراسينا سيوة في جزيرة فطناس على الطراز البيئي

فندق ومخيم مراسينا بجزيرة فطناس

بمجرد وصولك لواحة سيوة ستجد سيارة في انتظارك، لنقلك إلى المخيم أو يمكنك استئجار واحدة بنفسك. بعد أقل من دقيقة سيراً بالسيارة ستكون خارج وسط المدينة، تتنقل بين طرق محاطة بأشجار النخيل من كل مكان في مشهد ساحر. ستعيش هنا لحظات قليلة في تأمل لشكل الأشجار مع انحناءات الطريق. وفجأة ستفصلك بحيرة فطناس لتحول طريقك إلى ممر رملي وسط البحيرة، الذي سينقلك إلى داخل جزيرة فطناس. ستجد في نهاية هذا الممر مدخلين أحدهما يأخذك إلى عمق الجزيرة، والأخر بوابة مخيم مراسينا، يفصل بينهما سور من الأحجار الرملية. لدخول المخيم عليك التوجة للجانب الأقرب للبحيرة. مع خطواتي الأولى داخل المخيم وجدت نفسي أسير في ممر، يطل أحد جانبية على بحيرة فطناس الهادئة، لدرجة أنني كنت أشاهد القاع والأسماك التي تسبح بها بوضح.

هناك أيضاً داخل البحيرة عدّة أماكن للجلوس (برجولات) مبنية من الخشب وفروع النخيل، يربطها بالممر الرملي جسر مصنوع من أغصان الخشب. فيما ستجد على الجانب الآخر أشجار نخيل تتوسطها أكواخ مبنية أيضاً من الخشب والجريد (فروع أشجار النخيل) وتظهر خلفها الأكواخ الخشبية التي لفتت نظري للمخيم من البداية.

مخيم مارسينا في واحة سيوة جزيرة فطناس على الطراز البيئي

حكاية تصميم فندق مراسينا وبيت الشجرة

أول أمر لفت انتباهي للفندق هو تصميم الغرف، أكواخ خشبية تشبه كثيراً بيت الشجرة الذي نشاهده في الأفلام الغربية. لم أكن أتوقع في البداية أن يكون تصميم الفندق بالفعل مستوحىً من بيت الشجرة. وعندما قابلت السيد “تامر عابدينمالك مخيم مراسينا، خطر في ذهني أول سؤال، من أين جاءت لك فكرة تصميم الفندق؟ وهنا اكتشفت الرابط.  حكى لي السيد تامر: هل تتذكرين بيت الشجرة الذي كنا نشاهده في الأفلام، ونحلم ببناء واحد منه في الصغر. لكن طبيعية حياتنا هنا في مصر لم تساعدنا للأسف على تحقيق حلم الطفولة. لذلك قررت أن أحقّق هذا الحلم عندما بدأت بإنشاء المخيم ، خاصة أنها ستكون سبباً لجذب الزائرين، لتمييز المخيم داخل سيوة، إضافة إلى أنها مناسبة لطبيعة المكان”.

مخيم مارسينا في واحة سيوة جزيرة فطناس على الطراز البيئي

كيف تبدو أكواخ السكن في مخيم مراسينا سيوة 

ليست مجرّد بيت شجرة عادي. تم تصميم الأكواخ على شكل بيت الشجرة ولكنها ليست معلقة على الأشجار. ستجد نفسك عند فتح باب الكوخ قد انتقلت لغرفة فخمة، لم أكن أتوقع أن يكون تصميم الغرفة من الداخل جيداً ومختلف هكذا. الأرض خشبية، وكل كوخ يتكون من طابقين، يحتوي الطابق الأول على سريرين بحجم صغير، بالإضافة إلى مكتب مُعلق بجوار الباب. هناك أيضاً صندوق خشبي لوضع الملابس والأغراض، ويوجد في نهاية كل كوخ حمام خاص. أما الدور الثاني فيحتوي على سرير كبير فقط، أعجبني التصميم الداخلي للكوخ عن الخارجي. الكوخ نظيف للغاية بدون أي حشرات، على الرغم من أنَّ المنطقة مليئة بأشجار النخيل التي تجذب الذباب. الأرضيات هنا مفروشة بالكليم السيوي المحلي ذو الألوان الزاهية. وهناك عدة معلقات مصنوعة من النخيل، التي تنقل لك لمحة عن المنتجات اليدوية المشهور بصناعتها أهل سيوة.

مساحة مفروشة بالملح لسحب الطاقة السلبية وتجديد النشاط 

يحتوي المخيم حتى الآن على تسعة أكواخ متراصة بجوار بعضها. ستمر قبل وصولك لمدخل هذه الأكواخ على جزء من المخيم يطل مباشرةً على البحيرة، ومفروش بالكامل بالملح السيوي. نفسه الذي يستخدم في العلاج، والمعروف بسحب الطاقة السلبية من الجسم وتجديد النشاط.

مخيم مارسينا في واحة سيوة جزيرة فطناس على الطراز البيئي

 لماذا تم تصميم مُخيم مراسينا على الطراز البيئي؟

ستجد من لحظة دخولك المخيم أن كل شيء تم بناؤه باستخدام الأخشاب وفروع أشجار النخيل، حتى الإضاءة خافتة جداً، فقط لمساعدتك على الرؤية عند التحرك، بالإضافة إلى العديد من الشموع على شاطيء البحيرة. سألت السيد تامر عن سبب اهتمامه بالدمج بين فروع النخيل والخشب في أغلب أجزاء المخيم، لكنه لم يقم بذلك في الغرف، قال: “عندما قررت إنشاء مخيم في سيوة على الطراز البيئي، وجَّهت كل تركيزي في البداية على اختيار مكان متميز وجذاب؛ للفت نظر زوار الواحة. وهنا وقع اختياري على شراء جزء من أرض جزيرة فطناس.” في أول مرحلة لافتتاح المخيم كان عبارة عن استراحة ومطعم لزوار الجزيرة، مكان صغير يمكن الزوار من قضاء بعض الوقت أو يوم كامل هنا للاستمتاع بالسباحة في البحيرة ومشاهدة الغروب الجميل بهدوء. وبعد فترة قصيرة ومع تزايد اقتراحات الزوار لبناء غرف بالمخيم حتى يتمكنوا من قضاء ليلة أو أكثر هنا، جاءت فكرة تصميمم أكواخ السكن”.

“كان التحدي الأكبر في تنفيذ الفكرة التي أحلم بها، ولكن مع إنشاء غرف مريحة، وأمنة، لذلك قمنا ببناء الغرف من أفضل أنواع الخشب بشكل جميل ومحكم يحقق هدفاً بتوفيرغرف نظيفة وآمنه، ولا يخل بالطراز البيئي المتبع في المخيم”.

أما عن سبب استخدام الطاقة الشمسية، قال: “يقع المخيم خارج المدينة، ويصعب وصول الكهرباء له. فكان البديل الوحيد هو استخدام كشافات وألواح الطاقة الشمسية. ونسعى لاستخدام ألواح شمسية أكبر مستقبلاً”.

مخيم مراسينا سيوة في جزيرة فطناس على الطراز البيئي

خلاصة تجربتي في السكن بمخيم مراسينا في سيوة

المكان هاديء وجميل خاصة في الصباح الباكر، ناهيك عن وقت الغروب الساحر، مريح جداً ومحفز على الإسترخاء والتأمل وكذلك العمل. الأكواخ نظيفة ولها تصميم مميز ومريح، جميعها على الطراز البيئي. بمجرد دخولها تفصلك عن الواقع، على الرغم من أن الإضاءة بها ضعيفة جداً لأنها تعتمد على الطاقة الشمسية، لكنها تؤدي الغرض. من الجيد أيضاً أن هناك بطارية لشحن الهاتف في كل كوخ، هذه أكثر رفاهية يمكنك نيلها بخصوص الكهرباء في المخيم.

إن كنت مثلي تجمع بين الترحال والعمل كما أفعل دائماً، أو تحاول قضاء عطلتك مع القليل من العمل، ستفشل هنا كل خططك كما حدث معي. هذه هي الصدمة التي تعرضت لها بعد وصولي للمخيم بساعة تقريباً، لا يوجد داخل المخيم أي مصدر لشحن الكمبيوتر المحمول، وللأسف لم أكن أخطط لذلك أبداً.  لكن طبيعية عملي عودتني على المفاجأة. لا أخفي عليك، بعد ساعات قليلة من القلق والتوتر حيال العمل، هدأت قليلًا وقررت الاستمتاع بالمكان والإعتماد على بطارية اللابتوب حتى تنفذ. ثم أتوجه لأي مقهى وسط الواحة لاستكمال العمل وشحن بطارية الكمبيوتر بالكامل، والفندق قريب من وسط الواحة على أية حال.

الخلاصة؛ إن كنت تبحث عن مكان للاسترخاء، والاستجمام مع السكن في بيت شجرة مختلف وأجمل من توقعاتك. أشجعك على تجربة السكن في مخيم مراسينا بفطناس خلال زيارتك لواحة سيوة، خاصة أن المخيم مناسب ومريح للشباب والعائلات.

تعليق واحد

  1. سرور

    11/01/2021 في 2:54 م

    سيوة ليها سحر خاص

    الرد

أترك رداً

تصفح أيضاً

مصر: سيوة واحة الجمال على أرض مصرية