في الثامن و العشرين من أغسطس

ما الذي سيضيفه أغسطس لهذا العام؟ وما الذي سيضيفه الرقم ٢٨ لبقية العمر؟

بدأت الحكاية لطفلة تحمل الرقم سبعة من بين أخوتها؛ بعد سنة كاملة من وفاة أخت قبلها. ولادة كانت فيها سبباً لمكوث والدتها في شبه غيبوبة نتيجة الإرهاق والنزيف المتتالي. إذن بدأت الحكاية بمأساة. متشائمة؟ لا أدري؛ لكنهم عادة ما يحكون لي هذا الأمر في كل زلّة أو خطأ أقترفه. نوع من الإمساك باليد التي توجعني أو إشعاري بتأنيب الضمير.. ربما!

لن أكذب إن قلت أن هذا العام هو الأكثر ازدحاماً بالأحداث والمفاجآت؛ بكل أشكالها وموجباتها. للمرة الأولى التي أشعر فيها أنني حقاً أنتظر الثامن والعشرين من أغسطس؛ على الرغم من علمي أنني لن أحتفل به احتفالاً صاخباً ولن يدعوني أحد للعشاء أو يفاجئني أحدهم بكعكة عيد الميلاد، كما أفعل لصغاري. انتظرته وأعلم أنه سيكون كبقية الأيام التي لم أستطع الحصول فيها على إجازة مقتطعة بما أنني أخبّئ الإجازات للعيد وإجازة سنوية أطول وأكثر بُعداً عن طقوس وحياة كوالالمبور المرفّهة والمزعجة في آنٍ واحد. ظللت أفكّر في السبب الذي جعلني أنتظره بهذا الشكل؛ وأعتقد أنني غفَوت مرات عديدة (مللاً) في مكتبي و لم أصِل لسبب محدد. رسَوْت في النهاية على أنه أشعرني أنني أكبر سناً، وإن كان ذلك الفارق عاماً واحداً. أنني ربما أعقل/ أجنّ! المهم أنني في هذا العام جرّبت كل شيء، بدءاً من رحلتي الأولى إلى كوتاكينابالو بدون أطفالي وانتهاءً بالتسكع في مقاهي كوالالمبور وإدمان الجلوس فيها حيث مراقبة المارّة والثرثرة حولهم مع صديقتي.

في السابعة و العشرين وجدت نفسي أتحمّل مسؤولية تربية طفلين لم يرِد الكثير من أصدقائي الجدد تصديق وجودهما. أحدهم كان مصراً أنني من المستحيل أن أكون أماً بهذا الجنون و كأنّ الأمهات (مخلوقات) مكتئبة ودائمة الشكوى. والآخر لم أجد أمامه إثباتاً أنني أم لطفلين سوى بطاقات هويّاتهم وصورهم التي أحتفظ بها في هاتفي النقال.

في السابعة و العشرين شاهدت صنوفاً كثيرة من البشر بعد انقشاع سقف الحرية الذي كان في الحقيقة كبتاً غير عادلٍ أو إنسانيّ. عرفت أنني الحياة مليئة بالمفاجآت التي تستحق الاندهاش والضحك وربما البكاء. تأكّد لي أكثر أنّ المبتسمين والضاحكين والمادحين كثُر؛ لكنهم في الوقت ذاته من الممكن أن يكونوا حفّارين في أخدود الحياة لتقع أنت بدلاً عنهم. صدمات تتالت على أيامي وكنت أعلم مسبقاً أنني من الممكن أن أجنّب نفسي ما يحدث لو أنني أسكتّ عقلي ولم أطلب حقّ الحياة كإنسان وكإمرأة لها الحق أن تختار طريقة العيش التي تراها مناسبة ومريحة. وفي أسبوعي الأخير؛ حمدت الله كثيراً أن بعث لي تلك الصدمات واحدة تِلوَ الأخرى وفي وقت قياسي حتى لا يضيع عمري فيها قبل أن أتعلّمها. حمدت الله مرات ومرات حينما بعث لي أحدهم ليقول لي في لقاء عابر “من المؤلم أن تكتشف في ليلة أنك كنت تعيش كذبة و أنك تجهل مَن يكون ذلك الذي قاسمك الحياة يوماً”. حمدت الله لأنني أدركت أنني لست وحدي مَن عاشت تلك الظروف، وأنني لم أعِشها سوى مرة واحدة بينما ذلك المتحدث عايشها ثلاث مرات.

سعيدة؛ رغم أن كل ماحدث جاء في الوقت الضائع. أو بالأصح كان عليّ أن لا أتسرع قبل اتخاذ أي قرار مصيري على الأقل قبل الخامسة والعشرين. سعيدة؛ لأنني منحت نفسي الكثير من الوقت والجهد وعرفت ماأريد. سعيدة؛ لأنني أنام وحولي طفلين لا يهنأ لهما النوم دون أن أكون إلى جوارهما (على الرغم من تمللي من هذا الأمر حقيقة). سعيدة لأنني في أيام ضحكت وضحكت وضحكت حتى شرُقت! و إن كنت في أيام بكيت حتى انتفخت عيناي وتورّمتا وربما أكون وقتها أقلقت “سوما”. سعيدة لأنني جرّبت كل صنوف اللعب وصرخت فرِحة وربما خائفة حتى جفّ حلقي في أحد الألعاب المرعبة. سعيدة لأنني تنازلت عن “البريستيج” في أوقات كثيرة و غدَوْت أكثر تحرراً وتفهّماً لمَن حولي. سعيدة؛ لأنني في العام الماضي عرفت كيف أكون أقرب من جدتي وخالي دون أن أنتظر إذناً من أحد أو موافقة بصِلة الرحم. سعيدة؛ لأمورٍ كثيرة (لا تعنيكم ربما) صنَعت لي عاماً كاملاً حافلاً بكل شيء، عاماً ليس برتيب أو ممِل كالسابق، عاماً غيّر الكثير في عقلي وذاتي ومنحني أصدقاء كُثر أحبهم وأبعد عني آخرين هو أعلم بسرّهم. ممتنّة لـ”سوما” التي حفظتني عن ظهر قلب وأسكنتني قلبها مع إهداء وغازي.

الليلة؛ أكون قد أتممت ٢٧ عاماً، ١٥ عاماً منها بلا أب، و٥ أعوام كنت فيها أماً، وعامٌ كامل حريّة! وبينما تقرأون هذه السطور؛ أكون حينها قد أغمضت عيني متلذذة بقالب كعكة الشوكولا التي أدمنتها و صغاري، لأرتّب حقيبة رحلتنا القصيرة في إجازة الأسبوع.

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s