حكايا عشر سنوات

 كان من المفترض أن تُكتب هذه التدوينة بعد شهرين؛ لكنها تقدّمت بفعل كثرة التفكير في أحداثها، في العشر سنوات التي قضيتها هنا. منذ المرة الأولى التي سئِلت فيها: “كم سنة قضيتها هنا؟” وكانت الإجابة: “عشرة سنين”.
هذا السؤال يتكرر كلما زرتُ دائرة حكومية، في مقابلة شخصية لعمل جديد، مشفى، حضور احتفال رسمي، أو حتى في لقاء عابر من المتوقّع أن تتحول إلى صداقة سطحية. سؤال أسمعه من الماليزيين أنفسهم بسبب ملامحي المخلوطة بين جذور تايلندية وماليزية، لكنتي الغريبة في نطق الكلمات الماليزية و إخفاقي في الحديث بلا كلمات إنجليزية تجعلهم أكثر حيرة في تحديد هويتي. بكل ثقة يطلبون مني “جواز السفر”! و بثقة مشوّحة بالـ”بلاهة” أمدّ يدي ببطاقة الهوية، أضحك على ملامحهم المتفاجئة: oh you are Malaysian! وأكمل بملل تكرار مايحدث: ye lah melayu! تبدأ حلقات السيناريو! ظننت أنك عربية، هل أمك عربية؟ رقم هويتك غريب! أين ولدت؟ كم سنة عشتِ هناك؟ لكنكِ لا تتقنين الـ”Bahasa” بعد! عيب! …… الخ، و لا أملك سوى سرد التاريخ العائلي كل مرة، سرد يختلف بظروف المكان و الوقت الذي يسمح به مزاجي حينها.
فيما مضى؛ كنت أقارن بين الحياة هنا و هناك، أعترف أنه لم يكن عادلاً. اختلاف الظروف، البشر، المكان، عمري حينها و طريقة تفكيري. ليس من العدل أن يسألونني: فين أحسن، العيشة هنا و الا هناك؟ و أحتار! فلا أجد سوى إجابة محايدة: كل مكان له حسناته و سيئاته، هناك أهل و طفولة و ذكريات و كثير من الضجر، هنا حياة أخرى.
منذ مارس 2000م وحتى مارس 2010 ستكون عشرة سنوات كوالالمبورية بحتة، قليل من الإجازات في أسابيع وشهور معدودة، ومابين 1994م و2000م كانت ظروف أخرى مغايرة. 1994م عام الفقد؛ منه بدأت أظهر للعالم، وكشفت الدنيا وجهها أكثر، منه بدأت رحلة يُتْم واستمرّت. عرفت حينها أن الدنيا ليست مجرد دمى وملاهي واعتماد تام على أخواتي الأكبر سناً، عرفت أنني أُلحِقت -مبكراً جداً- بصفوف البنات اللاتي يُعتمد عليهنّ حين تخرج أمي لعملها، وأنني مسؤولة عن أخي الأصغر وعني، أنّ عليّ إنهاء واجباتي المدرسية والنوم مبكراً، السهر ممنوع ماعدا يومي الأربعاء والخميس، حتى في هذين اليومين عليّ توقّع زيارات عائلية وجيش من الأطفال اللذين يُتركون مع خالتهم للتتفرّغ الأمهات للتسوق والحفلات العائلية وربما نزهة زوجية خاصة! كان القدَر أسرع من قدرتي على استيعاب مفهوم “الخالة” الصغرى، أسرع من سنين عمري لأتمتّع بدفاتري الملوّنة المخبّأة في درج سرّي. خذوا مني إعترافاً –آخر– كنت ناقمة على الجميع! على أخواتي اللاتي كنت أراهنّ أنانيّات ذلك الوقت، على الصغار اللذين لا يهدأون ولا يمكثون في مكان واحد لخمس دقائق، للنداءات المتكررة، و الشجارات و البكاء المستمر، ناقمة على أخي الأصغر حين يكون في صفّ الصغار ضدي!
عرفت الحياة أكثر حينما دخلت مكتب الجوازات لأول مرة؛ قانون المقيم البالغ للثامنة عشرة والذي يعرفه الكثيرون هناك، قانون تزامَن مع إعداد الأخربات لأوراق التخرّج من الثانوية العامة. أتذكّر تأخري في إنهاء تلك الإجراءات ريثما يصحو موظف الجوازات من كسله ويسلّمني دفتر إقامتي الجديد، خوفي من عدم تمكّني إنهاء أوراق التقديم على أهمّ شهادةرسمية لي ذلك الوقت، البقاء بين رحمة موظف كسول ومدرسة لا تعترف بالظروف حينما يتعلّق الأمر بنا، نحن غير المواطنين. أسبوعين من الرحلات المكّوكية، نُسخ كثيرة من تواقيع لأناس لم يعرفوني ولم ألتقيهم من قبل، كان أكثرهم فُكاهة؛ توقيع عمدة الحيّ يُثبِت أنني إحدى قاطنيه. هذا المُسمّى عمدة لا يعرف الحيّ بخباياه كما أعرفه، ولم يسِر فيه كما سِرت فيه أياماً كثيرة من البقالة وحتى بيت “فطّوم” صديقتي.
في الثالثة عشرة؛ كانت أولى زياراتي لماليزيا، رحلة معبّأة مغامرات وأحاديث طويلة. تخيّل رحلة تسير فيها مع خمسة وعشرين فرداً! كان ذلك عددنا؛ أنا، أمي، أخوايَ، وخالاتي بأطفالهم. احتللنا جزءاً غير بسيط من الطائرة، وكانت أجمل رحلة. كلما بدأ الحديث عن السفر مابين السعودية وماليزيا؛ يعرج الحديث عنها؛ عن جنوننا، إنبهارنا بكمية الأشجار والمساحات الخضراء، التماثيل، المعابِد الهندوسية والبوذية، تعليقاتنا بصوتٍ عالٍ على كل ما نراه لأول مرة، خروجنا على نظامٍ متّبع هنا، حيوانات القرى التي تُفزِعنا كلما هربنا من بيوتنا فنعِد أنفسنا بعدم تكرار مافعلناه لنتناساه بعد ساعات. أتذكّر وجه المضيفات وهنّ يريْن عبثنا ولا يتمكنون من السيطرة على تحرّكاتنا، تعابير وجوههم المتفاجئة حين تحوّل ربع الطائرة إلى جلسات “شللية” مابين الأمهات، بنات كِبار، بنات صغار، شباب، ومكان آخر مخصص للأطفال والرضّع. كانت المرة الأولى التي أتخلّى فيها عن شعري الطويل جداً ليتّخذ تسريحة “الأميرة ديانا” وملامحي التي تحوّلت إلى ولد! وبدأت محاضرات أمي بعد ذلك.
سنوات الجامعة كانت أكثر إثارة ومتعة مما توقّعت، لم يزعجني فيها سوى السؤال المتكرر: you are Malaysian; why can’t you speak Malay؟ لم يكن هناك عذر سوى عدم وجود مدارس ماليزية وانخراط جميع أبناء الجالية في المدارس العربية، كنا نرى حافلات المدارس الأندونيسية والهندية ويقفز في ذهني سؤال: أين مدرستنا؟ حاجِز اللغة جعلنا نتّكل على لغات مساعدة للتواصل مع الآخرين، كان بالنسبة لي شمّاعة أعلّق عليها طلب الالتحاق بفصول غير الماليزيين لدراسة اللغة الماليزية في الجامعة كمادة إجبارية، ولأنها مبسّطة كنت متفوّقة فيها.
ربما كانت السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة لي هنا هي أكثر مراحِل عمري نضجاً، أكثرها أحداثاً وتواصلاً بالعالم الخارجي، بعيداً عن المحاضرات الجامعية وسكَن الطالبات. كانت البداية الحقيقية للخروج للعالم، للتعرّف على كوالالمبور؛ مداخلها ومخارجها. تجربة السفر مع رضيع في رحلة بد أت من كواﻻلمبور إلى جدة مروراً بمسقط والبحرين ليوم كامل، ثم رحلة مشابهة مع طفل ورضيعة مروراً بأبوظبي. التجربتين الأخيرتين منعتا عني التمتع بالنظر إلى السحب القطنية كما كنت أفعل في رحلاتي الأخرى.
ماذا لو كنا نملِك طريقة لتصحيح الأخطاء السابقة؟ طريقة نستطيع من خلالها تصحيح مسارات حياتنا، أو ربما وسيلة أخرى تُرينا ما سنكون عليه بعد عشر سنوات؟
الخيارات المتاحة تشتت تفكيري هذه الأيام، مساحة الحرية المُعطاة لي في هذا العمر وتقبّل والدتي لمناقشة قراراتي واختياراتي على الرغم من نبرة الإصرار على رأيها واعتقادها أنها ترى الأفضل لي، أمي مازالت ثابتة على خطة مرسومة مسبقاً لا ترى جدوىً من الخروج عنها. أتفّهم رأيها هذه المرّة؛ كانت تصرّ على رفضها عملي في أي منشأة حكومية لها علاقة بالسياسة مباشرة، رفضها لانبهاري ببوتراجايا كمدينة للعمل و الحياة.
كنت أفكّر ليلة أمس؛ لو أنني لم أقرر العيْش في كوالالمبور أين سأكون؟ منذ أغسطس الماضي وفكرة التقاعد لا تبرح مكانها، فترة مابعد التقاعد ارتبطت في ذهني بالتمتّع بالحياة، لا عمل، لا مسؤوليات، أطفالي سيكونون أكبر سناً و قدرة على تسيير شؤون أنفسهم. ارتبطت بالسفر المتواصل، بالبقاء لشهور كثيرة على شواطيء اليونان، ممَ الهروب هذه المرة؟ أتذكر Miranda من مسلسل Sex & the City؛ تشبه “سوما” –صديقة المراهقة والعمر– في خوفها وقلقها الدائم عليّ، هذا القلق الذي يجعلني أخشى سؤالها على الماسنجر: “أسما انت هنا؟” و ينتهي النقاش بموشّحتها المعتادة “ماعدت أفهمك! اتغيرتي!”. سومة لا تؤمن بتغيّر الأفكار، المباديء، طريقة الحياة. أعذرها على ذلك النمط الأوحد الذي تعيشه و تتوقّع مني ذات الأمر وأرفضه.
عشر سنوات؛ اختزلت الكثير من التجارب، من أنماط الحياة التي تتغير سريعاً قبل أن أنتبه لها. تكرر على مسامعي والدة صديقتي “ماتخلّيش السجّاد ينسحب من تحت رجليك” و أتساءل: هل بقيت مساحة كافية منه؟ عشر سنوات؛ جعلت من أولئك الصغار –الذين كنت أرعاهم أسبوعياً– وأخي الأصغر أصدقاء مقرّبين، نثرثر كل ليلة، نخطط للأيام القادمة، نتذمّر من قيود الكبار ونخترع طرقاً للخروج على القوانين العائلية. عشر سنوات بنَت أنثى مغايِرة تماماً لما رسمتها أمي، أنثى لم تستوعِب أمي أنها عاشت طفولتها ومراهقتها بين ولدين، فكنت كما أنا، متمرّدة دائماً. عشر سنوات ربما كان الأجدر بي تحليلها أكثر من اليوم؛ لكنها ممتلئة أحداثاً لا تحتاج إلى تقليب أكثر، فتؤلِم!

 

Advertisements

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s