في قلب “أمي” لي وطن

حينما تكون الكتابة عنكِ؛ أقدّم حرفاً و أؤخر آخر. في نبْض الحرف رهبة لا تليق إلا بكِ؛ خشية الخطيئة، و الخوف من ألا ترتدي الكلمات وِشاحاً يليق بمقام المُثول أمامكِ.

مابين احتفالهم بأمهاتهم واحتفالي بكِ؛ أيام لا أكثر. لا أدري إن مرّ ذلك اليوم بكِ كسائر الأيام أم أنّ المحيطين بكِ من أخوتي قد أحالوه يوماً مُغايِراً، هم لا يعترفون بهكذا “خزعبلات”، مثلكِ تماماً. وحدي التي أنساق خلف تلك التقاويم “الوهميّة” و أصطنِع المناسبات في بيتنا، و ربما كنتُ الوحيدة -أيضاً- مَن يُهمها الأحد الثاني من مايو كل عام. أنتِ و والدي -رحمه الله- لم تُقِرّا يوماً الاحتفال بأعياد ميلادنا، على الرغم من أن تلك الأرقام لم تُفارق ذاكرتك الأمومية العتيقة، تتذكّرين اليوم و الساعة و التضاريس التي تركناها في ذاكرتك فوْر انفصال أجسادِنا عن رحِمك. تُفاجئينني أكثر حين تتذكّرين يوم ميلاد “مجاهد”؛ حفيدك الخامِس و العِشرين -ربما- رغم قدومه بعيداً عن عينيكِ.

الثالث من أبريل؛ كانت آخر مرة جُلْتُ فيها المدينة -باستمتاع- ليلاً وحتى الساعات الأولى للصباح، بحسبة بسيطة؛ لم أرَ من مدينتي سوى محطة القطار والسوق المجاوِر لمكتبي. لا سينما، لا جولات تسوّقيّة، ولا تسكّع في شوارع المدينة كما السابِق، على الرغم من توفّر وسائل الترفيه فيها كالعادة. كنت أخترع الأسباب لأعود مبكّرة فلا أضطر إلى ملاقاة إحدى الصديقات أو مواعدتهنّ في الأماكن التي اعتدنا التواجد فيها. وعلى النقيض؛ أصبحت أبحث عن حجة حقيقية للخروج صباحاً. ربما صدَق القوْل هنا: أننا حينما نحب الأشياء “أكثر مما يجب” فلا نفارِقها إلا لِماماً، لكننا عما قريب نعتادها فنمِلّها، فهل مللتُ مدينتي؟

الغريب؛ أنني ماعدت أرى فيها ذلك البريق الذي كان يشدّني لها، حرارة الجو نهاراً جعلتني أفضّل المكوث في بيتي أطول فترة ممكنة فلا أغادِرها إلا للضرورة أو الذهاب لعملي. زحامها نهاراً أفقدني شهيّة مُعاقرة روائح أشجارِها و الافطار في مكانٍ ما هاديء فكل الأوقات الصباحيّة أضحت أوقاتاً للذروة، ليلاً أمسَت الكثير من الأماكن المفتوحة صاخِبة والسير في بعضِها –كأنثى– غير آمن أو أخلاقي غالباً. ربما كان لتكرار الأماكن التي أرتادها عاملٌ في تمللي منها، فمدينة كهذه يُغلِق معظم مافيها مابين التاسعة و الحادية عشرة والنصف مساءً، وحدها النوادي الليلية وبعض المطاعِم تبقى مُشرَعة لاستقبال الباحثين عن حياة شبيهةٍ بالموجود نهاراً.

هل تروق لكِ مدينتي؟ في المرّة الأخيرة التي زُرتِني فيها؛ لم يطُل مكوثك أكثر من أسبوع. يُزعِجك زِحامها وتُرهِقك الساعات الطويلة التي نحتاجها للدوران فيها، تُفضّلين غالباً التنقّل بين بيوت الأقارب على مشاهدة السيْر السريع للحياة مِن حولك. أغبِطكِ جداً لأنكِ لم تتلبّسيها كما فعلتُ في السنوات الأخيرة. ارتديْتِ مدينة أخرى منذ أن كنتِ في الخامِسة عشرة، وبدَوْت بها –و بدونها– أكثرنا قدسيّة. مدينة لم تختاري العيْش فيها إلا تأدية لمراسيم عائليّة وضعتها “الجدّة” قبل رحيلها، ارتَضيْتِها؛ على الرغم من أنها تعني حياة كاملة بعيدة عن والدتكِ، وما اعترضتِ على ذلك القرار العائليّ حتى الآن. أتعجّب من سرّ تمسّكك بها رغم الصِّعاب التي تواجهينها هناك، رغم الاغتراب، والبُعْد عن موْطِنِك، بقاؤك فيها الذي يتحلّى رداء الوفاء لرجُلُكِ الأول. أغبِطك؛ لأنكِ منذ الأزل عِشتِ مدللّة من كل الجِهات؛ من والدتكِ التي كنتِ ابنتها البِكر و الوحيدة لعشر سنواتٍ قبل أن تُمارسي دور الأخت الكبرى على خالي، من الجدّة “وردة” التي احتفَت بوجود حفيدتها “البنت” الكبرى إلى جِوارها، ومن الزوج –أبي– الذي عارَكَ الحياة في شبابه؛ ففهِم ما تعنيه السنوات العشر الفاصِلة بينكما.

السيْر أو التنقّل وحيداً في كوالالمبور يجعلك –مرغماً–تبحث عن شيء تسمعه أو كتابٍ يُرافِق مَواطِن الانتظار والقطارات التي تقسّم المدينة شمالاً وجنوباً وغرباً. شرقها يسكن جزءاً صغيراً اِلتمّ فيه عِلية القوم فما احتاجوا إلى ما تحتاجه الفئة الكادحة من وسائل للتنقل. وأينما سِرتَ فيها ستقع عيناك على مسارات نهرية تجتمع في أجزاء من المدينة التي جاء اسمها من تضاريسها الجغرافية؛ فـ”كواﻻلمبور” ليست إلا مسمّى لملتقى النهرين اللذين يشكّل ارتفاعهما في وسطها شارة إنذار للفيضانات التي ستُغِرِق المناطِق الأخرى على أطرافها. نهريْها اللذين أمرّ بأحدهما كل يوم يذكرانني دائماً بالقلوب التي تلتقي فيها. مدينتي لا يمكث الحب فيها طويلاً، إن التقيت بمن تحب لأول مرة فيها فاعلم أن عليك مجاراة المسار الذي رسمته لكما المدينة مُسبَقاً. عليك إما أن تسير بهدوء، وتراوِغ أمام تقلّباتها لتدفع عجلة ذلك الحب إلى الأمام، أما إن شئت أن تقِف أو تعكِس التيّار المحفور منذ قرون فمغادرتك لها و لذلك القلب وشيكة.

ما بين المدينتين؛ انطلقت حكايات أنثوية كثيرة. في أروقة “كوالالمبور”؛ خبّأت أموراً كثيرة عنكِ، خطايايَ، والذنوب التي اقترفتها في غِيابك، بكائي الذي أواريهِ عنكِ ذات وهَن، وحيرتي حينما يتعلّق الأمر بمستقبل أخافه. وحدها نداءات الفرح أبثّها لكِ في هاتفِنا الليلي كلما اجتمعتُ بالصغيرين، تبتسمين؛ وفي صوتِك بقايا دمعة اشتياق إن سألاكِ “متى ستزوريننا؟” وتردِفين “قريب إن شاالله”. وفي الوقت الذي ماعدّت أتحمّل فيه السكوت؛ شكَوْتهم لكِ، بكَيْتِ بُعدِك عني، وبكيْتُ خوفاً على قلبك. تذكّرينني بي حين أنهى صغيرتي عن البكاء، فيتناهى صوت قلبكِ عبر أسلاك الهاتِف “أنا أشوف حل، لا تِبكِ إنت ونامي” وأنام؛ أنام يا أمي قريرة العين، يقيناً بأنك وحدكِ قادرة على حلّ كل مشكلاتنا.

حكايات.. ومن حكاياتِك الأولى؛ أستمِدّ قوة تُعينني على خوْض الحياة، على الصبر، على نِسيان الألم بدل تجرّعه كل ليلة. أحكيها للذين ألتقيهم هنا، وبكل فخر أردد “لم أرَ والديّ يتشاجران طِوال حياتهما معاً”، كيف حصل ذلك، وأي صبْر غلّف قلبيكما فلم تتشاجرا يوماً أمامنا؟. أنتِ وأبي كنتما –و مازلتما– مثالاً للحياة التي أريدها. وجدّتني في الأيام الأخيرة أقيس حجم سعادتي بكما، أُخضِع الرجال لاختبار الشبَهِ بينهم و بيْن أبي، وأخطيء –دائماً– حينما أقول لأحدهم إذا ما جرَح مشاعِري “أبي لا يفعل هذا بي” وتصفعني كلمته: “بالضبط؛ لأنه أباكِ، لا أنا!”. وهنا؛ أبقى، أنا، معلّقة بين الرغبة في العودة إليكِ أو البقاء من أجل الصغيرة “دانة”، النسخة الثانية منكِ.

كل عيد أم وأنتِ سعيدة، هانئة، ومطمئنّة. كل عيد أم وأنتِ في حياتنا ظلٌّ وارِفٌ لا نتوه عنه. كل عيد أم وأنتِ مدللّة أبي الأزليّة. كل عيد أم وأنتِ أنتِ.. وفي قلبك يا “أمي” لي وطن..

 

 

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s