29 أمنية في صندوق

تحذير صحّي 1: هنا كمّية هائلة من الثرثرة الشخصية قد لا تعنيك أبداً.

تحذير صحّي2: كُتبَت هذه التدوينة تحت تأثير امتزاج الفنتولين بالكافيين مما يسبب فرط الكتابة التدوينية

قبل شهر؛ قررت أن أكتب لائحة الأمنيات/قائمة الأماني/طلباتي الصغيرة/أو الـwish list. كطفلة صغيرة؛ بحثت عن النواقِص في حياتي، طلباتي القديمة، الجديدة، البعيدة مني، السهلة والصعبة المنال، القريبة… إلخ. كنت أكتبها بسهولة في بداية القائمة، وكلما تقدّمتُ في الرقم؛ كلما كان عليّ التنقيب أكثر وأكثر عن أمنية. كانت الأشياء تتوالى في رأسي، ابتدأت بأكثرها إلحاحاً، وأتت في آخرها الأخف طلباً، وربما الأقل أهمية. هذه المرة؛ أردتها حسب سنيّ العمر الذي فات والسنة التي أعيشها. على ورقة صغيرة كثُرَت فيها الطيّات والانحناءات من كثرة فتحها والكتابة فيها ثم تخبئتها في جيب محفظة النقود. تسعة وعشرون أمنية؛ رصفت فيها كل شيء -ربما- كان من المفترض عليّ عمله قبل سنوات، هي ما توقّعه المحيطون بي حتى بتُّ أريده من أجلهم، أردت بها تعويض خيباتهم جرّاء انتكاساتي التي فاجأتهم بها، وبقِيْتُ أنا.. أين مكاني من تلك القائمة؟ كان آخرها!.

“ثَمّة نوعان من الشّقاء:
الأول:  ألا تَحصلَ على ما تَتمنّاه ، و الثاني أن يأتيكَ و قد تأخّر الوقتُ و تغيّرتَ أنت و تغيّرتِ الأمنياتُ بعد أن تكونَ قد شقيتَ بسببها بضعَ سنوات” أحلام مستغانمي

مُضحِك أنني تذكّرت أمنية قديمة، قديمة للدرجة التي تذكّرتها في أول يومٍ من عملي الأخير، تلك الأمنية التي أخفيتها في قلبي ذات ليلة، ثم طفَحت رويْداً رويْداً على وجهي بلونٍ آخر كنقاط الكلَف الصغيرة على أنفي من تأثير التعرّض للشمس. في السنوات الأولى من العوْدة للوطَن؛ كانت الأمنية تلك وُجهَتي التي ما حِدْت عنها، لكنني حين مكثت أكثر أصبحت تكبر وتكبر وتكبر…. في القلب لا أكثر. بإلحاح؛ كانت تنمو في القلب، وفي العقل؛ كانت أخرى وأخرى غيرها –ولا تشبهها أبداً– تكتسح المكان. العجيب؛ أنه لم تغِب الأمنية على أمي، على الرغم من أنها لم ترُقْ لها في البدء؛ لكنها تجاهلَت ما تريد للتذكّير بما أريد. ومنذ أن شددتُ الرّحال؛ كانت تذكّرني بها، حتى في الوقت الذي شعرَتْ فيه بتخلّيّ عن أمنياتي القديمة، كانت تلوّح بها، لئلا أنسى أمراً وعدت نفسي به في وقتٍ سابق وفارقتُ مملكتها بسببه. أمي التي خِلتُها ذات يوم تفتح قلوبنا وعقولنا كل ليلة حين ننام لتعرف كيف نفكّر! نسيتُ أنها تعرفنا لأنها ببساطة “أم” نُفِثت حياتها في حياتنا. 

“It’s not about how to achieve your dreams, it’s about how to lead your life, … If you lead your life the right way, the karma will take care of itself, the dreams will come to you” Randy Pausch- The Last Lecture

وكالمعتاد، أو –بالأصح–  كما اعتاد الناس في يوم ميلادهم؛ أتساءل ما كنتُ؟، ما أصبحت؟ يلوّح –بلا استحياء– سؤال آخر أمام عيْنيّ؛ ما أريد أن أكون؟ ربما كان هو السؤال الأصعب في الحقيقة. وقررت ذات ليلة أن أتساءل؛ كيف سأشكّل العمر القادم؟ حسب المعطيات، الظروف، الأشخاص، و الأهمّ؛ حسب الإرادة. افترضت؛ أن لا عذر حقيقيٍ لي الآن، كما أفعل معه هذه الأيام وأصعّب كل شيء مهما صغُر بصفاقة. حان دوري لأزيح ذاك الدلال السابق الذي كان يُسبِغه عليّ والدي وتبِعتْه أمي في ذات الطريقة. حان الوقت –وربما فات الأوان– لأنْ أفهم أشياء كثيرة؛ أنّ الحياة ليست على ما أهواها غالباً، أنّ الأصدقاء والمحيطين بي –مهما بلَغ حبهم– ليْسوا كوالديّ، وكان أكثرها صعوبة؛ أن أعي حقيقة: أنني إن كنت يوماً أعني الرقم “1″ والأكثر أهمية لدى والديّ، فليس بالضرورة أن أكون كذلك لدى الآخرين. لزِمني الأمر ثمانية وعشرين عاماً لأن أفهم ما “أنا” المخبّأة في قلب أمي، احتجت خمسة سنواتٍ وأكثر لأفهم لمَ تغضب أمي حين أخفِق، تماماً كما أفعل حين يُخفِق “مجاهد”، أربع سنواتٍ ونصف لأعرف معنى أن يكون لي أخت/ أخ مقرّب تماماً كما هي “دانة” التي لا يهنأ لها يوم دون شجارٍ أو لعبٍ مع أخيها. و بعد عشرِ سنوات؛ عرفت أنّ الأمنيات لا تلبث تتبدّل، بنا أو بغيرنا. مزعج –بل مزعجٌ جداً– أن اليوم بات عليّ فِهم كل شيء، تقبّل الأعذار، وتفهّم كل الظروف للدرجة التي أصبحت أقرأ “please understand” في رسائله بكثرة. باتَ عليّ تفهّم كل المرات التي يُهاتِفني فيها يكون المكان حولَه مزعجاً، دائماً هناك صوت يعمل كخلفيّة لأحاديثنا ونقاشاتنا، فهو لا يُطيق الهدوء أو أن يكون وحده مهما قصُرَت المدة. هذا الأمر يُربِكني ويشتت تركيزي في أي حديث نتبادله، وكم من المرات سألته عن حبه للازعاج ووجود الناس مِن حولِه. إلى أن سئلْت ذات يوم “كيف تتحمّلين هذا الكمّ الهائل من الهدوء و الوِحدة حوْلِك؟”. سائلي كذلك تناسى أنني عذراوية تهتمّ بتفاصيل الأشياء حولها، لذا؛ فالزحام يُتعِبني و الأصوات العالية تمنعني من التركيز فيما أقول أو أفكّر به.

“You know you’ve read a good book when you turn the last page and feel a little as if you have lost a friend” Paul Sweeney

الزّهير – زيتون الشوارع – الجبل الخامس… قائمة مما أقرأ هذه الأيام، شيء من هنا و شيء من هناك، و النتيجة؟ تشتت للأفكار و عدم تركيز في القراءة. اكتملت الحالة بـ”احتمال وارِد” وصرخة المفاجأة حينما أرانيها “أحمد بدرة” في إحدى لقاءاتنا، صرخة اقترنت بـ”من أين لك هذا؟ إنه لخالد. صديقي”. شعرت بعدها بكمية من الغباء، ربما كان سببها طيّي “خالد الصامطي” في قائمة الأصدقاء منذ أن قرأت “الحبَق الحافي” في مدونته،  ومنذ أن كنا أصدقاء في المجتمع على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي على الرغم من أننا لم نتبادل أي حديث شخصي، هكذا فقط. ثم.. في ركن من شاشة الكمبيوتر يقبع ملف “ضوء مرّ” الذي أرسلته لي “غادة خالد” إلكترونياً. تراوِدني نفسي أن أبدأه، ومازلت أمنع نفسي عن فتح صفحاته، فقراءة الذين أحبهم تعني لي قدسية أخرى. وفي حالتي هذه؛ أردت مُصالحة عقلي قبل البدء في أي شيء. كتبٌ أخرى ماتزال على الرّف كنت حين طلبتها أتمنى قراءتها بشدّة، ووجدتني حين امتلكتها أتصفحها لا أكثر!. أخيراً؛ استقرّ الأمر على “رأيت رام الله” الذي قرأتُ اقتباسات عديدة منه على Goodreads، ثم ما كتبته منال في مدوّنتها عن ذات الكتاب.

“See yourself through the eyes of those that love you. You’ll find those eyes are much less judgmental” TheLoveStories

منذ بدء 2010؛ تغيّرت أكثر بانتقال الصغيرين من مدينتي إلى أخرى تبعد ساعة وربع، كان عليّ حينها التأقلم مع ظروفٍ أصعب مما توقّعت كوْننا لا نلتقي سوى في الإجازات الأسبوعية، وعِشتُ بسبب ذلك حياةً لم أعتدها من قبل. على ناحية؛ يُسعِدني هذه الأيام الحوار الذي لا ينتهي بيني وبين صغيريّ إلا بقرار النوم، وأحمد الله كثيراً أنّ لديهما الجرأة على الانتقاد و النقاش حتى لو كان الأمر يختصّ بأوامري أو القرارات التي أُمليها عليهما. هذا الأمر كنت أتمنى أن أمارِسه حين كنت في سنوات المراهقة. ببساطة؛ شيء من الكبرياء  كان –ومازال– يغطيني فكنت لا أدعُ مجالاً للنقاش مع الكبار أو الآخرين، ولا أطلب أمراً من أحد ما أكثر من 3 مرّات. صغيريّ غيّرا هذا الشيء فيّ وتعلّمتُ منهما متعة الاستماع والنقاش أكثر وأكثر مهما صغُرَ الأمر. ربما كان تَركي المجال مفتوحاً أمامهما دور في ذلك؛ فمن الممكن أن تسمع أحدهما –وخاصة دانة– لا تجد غضاضة في أن تقول لي “عيب كدا يا ماما” خاصة حينما أقول لها “بس يا بنت!” فهنا على الأقل ترفض الصغيرة ذات الأربع سنوات ونصف أن يُهمّش إسمها وتُخاطَب بـ”بنت” بدلاً عن “دانة” وإن كانت مُخطِئة. المُضحِك في كل تلك النقاشات والحوارات التي تدور بيننا حتى في الأماكن العامة؛ أنّنا نُلفِت الأنظار إلينا، فأصواتهما شبْه العالية في الأماكن العامة تجعلني رغماً عني أتغاضى عن تلك النظرات والتعليقات من المنزعجين منا خاصة في المطاعِم الهادئة جداً، والجيّد أنني في أحايين أخرى أجِد نظرات الغِبطة وابتسامات من الآخرين مُرفَقة بـthey are good kids! لاسيّما حين تصمم “دانة” على قراءة دعاء الأكل بكافة اللغات دون أن يمنعها من ذلك وجودها في مكانٍ عام، ويقرؤه “مجاهد” بالعربية فقط وبشكل سريعٍ مُضحِك يُشعِر مَن يراه أنّ لا وقت لقراءة الدعاء والأكل أمامه. خلاصة الكلام؛ أنني سعيدة باعتدادهما بنفسَيْهما في كل مكان وفي وقتٍ مبكّر من العمر. من صغيريّ تعلّمتُ كذلك أنّ الأمر بشكلٍ حازمٍ –والمنتهي بالصراخ– وحده لا يُجْدي، وسنجد اعتراضاً ممن حولنا بالتأكيد. ولو أردت أن ألخّص سعادتي فما حققته في العام الثامن و العشرين لحصرتُه في حبّ الصغيرين ورغبتهما في وجودي حولهما –وإن كان هذا بفِطرة البنوّة– فيكفيني إصرارهما الدائم في أن أقضي اليوم بأكمله معهما في الصالة بدل اعتكافي في غرفتي للقراءة مُرددان “ماما تعالي اجلسي هنا” وهما على حق، فما الذي يمنع من القراءة في الصالة؟

“You want something but you don’t want to try. It’s like you want to swim without getting wet” TheLoveStories

مابيْن أغسطس 2009 و 2010 استجدّت أمور كثيرة كان لها تحويل شيء من مسار الحياة التي أعيشها؛ علاقتي التي تقوّت مع صغيريّ و أمي و علاقتي بالآخرين، المنحنى الجديد الذي سِرت عليه في القراءة، ذوقي الموسيقي، الألوان التي اقتحمت خزانة ملابسي وأصبحت أرتديها أكثر هذا العام، ثقتي فيما أقوم به جرّاء استشعاري بمسؤوليتي عن نفسي عِوَضاً عن اعتمادي الكبير على أهلي، حديث الناس ونظرتهم التي ما عُدت أهتمّ بها كالسابِق، الطرق التي ابتدعتها في كسر روتين المدينة.. ثم، حين التقَيْتُ بأشخاص جدد؛ “يمان” التي كان لقائي بها قصيراً مشحوناً بالضحكات وأحاديث عن الأصدقاء والحياة ومشروع تخرجها. آخرون جمعتني بهم قهوة مدينتي في لقاءات قصيرة سعِدت بها؛ “نورة الشمسان” التي تبادلت معها و “ريما” أختها أحاديث كثيرة لم تنتهِ إلا برغبة مطعم/ بار The Apartment بإغلاق المكان. “نورة” –التي كانت تردد حين وآخر “ياحبي لك” بلهجتها النجدية والتي أحببتها لأول مرة– أغرقتني بحميمية أشعرتني بمعرفة قديمة على الرغم من قِصَر الفترة التي تبادلنا فيها أحاديث و تعليقاتٍ خاصة.

              

“إن العمر قبل الثلاثين عمرٌ مليء بالتجارب، و الإثارة، و التغييرات، واكتشاف النفس والأشياء، ولكن الوصول إلى الثلاثين يشبه الاضطرار إلى الانخراط في خطٍ أفقي” محمد حسن علوان (صوفيا)

 أغسطس الحالي –بما أنه يزامِن شهر رمضان– غَدَا ممتلئاً بالأحداث؛ الرابع و العشرين منه يعني العام السابع عشر لوفاة والدي، ثم الأمس الذي يوافق السابع عشر من رمضان هو ذات اليوم الذي وُلِدنا فيه أنا و “مجاهد” بالتاريخ الهجري. في الأسبوعين الأخيرين من الثامنة والعشرين اكتشفتُ ثاني شعرة بيضاء تنمو بإصرار وسط الشعر الأسود! هل من الجدير أن يعني ذلك شيئاً في عائلة لا تعترف جيناتها بالشعر الأبيض إلا بعد سنّ الخامسة و الأربعين؟

بقي لي أن أغضّ الطرف عن كل شيء هذه الليلة و أراقب احتراق الشموع –التسعة والعشرون– المعطّرة الموزّعة في البيت، كنت قد ابتعتها خصيصاً لنفسي قبل عدة أيام. الليلة؛ لا مكان لكل وسائل الإتصال، لا كتب، لا قهوة، لا شيء من المنغّصات..

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s