عزيزي أمبيرتو (الرسالة الثانية قبل الأخيرة)

عزيزي أمبيرتو..

بعد الشهور الطِوال التي انقطعت فيها رسائلي؛ أيُزعِجك أن أراسِلكَ هذه المرة؟ لا أعِدك بأنها ستكون الأخيرة، لكنني على الأقل أجزِم بأنني سأستغرِق وقتاً أطول قبل أن تصِلك الرسالة التالية. أقسِم لك بأنني سأبعثُ التالية وأنا في أكثر مزاجاتي انتعاشاً، وأكثر أيامي فرحاً، وغِناءً. سأكسِر قاعدة كل المرّات التي لا أبعثُ لكَ فيها شيئاً إلا حين يخبو شيء ما فيَّ.

تسألني لمَ أنتَ بالذات؟ لأنك وحدك الذي يعرِف كيف يربّت على كتِفي دون أن يُشعِرني بالخذلان. تعرِف كيف تحتوتني في أكثر لحظات تشوّهي وتُشعِرني أنني الأجمل، وسأظل. وحدكَ مَن يعرِف مزاجي من نوع الموسيقى التي المسموعة طِوال اليوم. وحدكَ مَن يسمعُني دون أن يشمُتَ بي، و دون أن يقول لي “حذّرتكِ من قبل! لكنكِ تجاهلْتِني”، وحدكَ يا “أمبيرتو” مَن يقول لي: أعلمُ أنكِ أخطأتِ، لكنكِ لستِ بذاك السوء.. فهمِت؟

منذ أن التقينا ذلك اليوم يا عزيزي وأنا أعلمُ أنني وأنت لن نكون سوية، شيء ما يقول لي أننا لن نلتقي في ذات المقهى –أو أي مكانٍ آخر– ثانية. وددت يا عزيزي لو أنني وقتها تركتك تثرثر عن ذاتك أكثر، وددت لو أنني لم أستعجِلك وأنت تحتسي قهوتك التي ملأتها سكّراً، لو أنني لم أُعارِضكَ على السير في الطرقات الضيقة من المدينة، وددتُ لو أنني طلبْتُ منك مرافقتي إلى مسرح المدينة لأشاهِد وجهك الذي تتوالى عليه الأحداث، لو أنني لم أجعل من لقاء صديقاتي عذراً.. وأتركك على المفرق. لكن، أتعلم؟ كان خطؤك يا “أمبيرتو”! لمَ تركتني أفعل كل ذلك؟ فقط لو أنكَ استبقيتني أكثر، لو أنكَ رجوْتني أكثر، لو أنّك أمسكتَ بيدي إلى جِوارِك.. لو أنك قلت: كوني هنا لأنني أريدكِ أن تفعلي، لأنني الرجل هنا.. لبَقيْت! ولجعلتُك تقصّ لي أكثر و أكثر عن فلورنسا ولازيو ونابولي، عن إيطاليا –الحلُم– كلها، وعيناك تشُعّان حيوية.

حسناً.. لا أعتقِد أنه من الأجدى لي الحديث عما لم يحدث في الأساس –في نظرِهم على الأقل– كما أنه في حال حدوثه-من الأجدر بي أن ألوم ذاتي كذلك، فقط لو أن مشاعري كانت أكثر اندفاعاً معك..

 ربما نُخطئ في العثور على كمالِنا فنقترن بالنصف الخطأ، لكن و فورَ مواجهة النصف الحقيقي لا يعود بِوُسعنا تجاهله

سِتْر – رجاء عالِم

 إنها المرة الأولى التي سأحكي لك عنه، وعنّا بشكل حقيقي. فلم تُسعِفني الأيام أن أُسهِب في الحكاية أكثر مما حكيْتُه قبل شهرين. هل من الأنسب لي أن أقُصّ لكَ عن اللقاء الافتراضي الأول الذي جمعني به؟ عن الصدفة الساذجة التي تتلخّص في حكاية أحدهم عن قهوة الفيشاوي التي جعلته يلتفِتُ إليّ، لون عدساتي اللاصِقة، والتي أبْهَرتْهُ في صورة قديمة لي. ظروفنا ‏المتشابهة إلى حدٍ ما. الأحاديث الأولى التي كانت تحمِلها بيننا عصفورة ‏‏زرقاء. النقاشات الممتدّة لساعاتٍ متأخرة من الليل، القفشات والضحكات ‏المتمّمَة نهاراً، و الصور المبعوثة و المخبّأة في مكانٍ ما من الذاكرة…. ما كنتُ أعلم يا ‏” أمبيرتو ” بما يحدث حولي، لم أشعر به، و بأنه يُحبّني! و أنا، كنتُ معك.. دون أن أكون. كنتُ ‏أظنّك كلما مرّ يومٌ ستكون أكثر شجاعة وتخرج من الذاكرة المعطوبة لتتمثّل ‏لي، تنتظرني في المقهى الذي شربنا فيه قهوتنا الأولى.‏

“صباح الحب يا قلبي” رسالة السابِعة صباحاً ‏‎–بتوقيته– و التي تعني أنه للتّو بدأ يومه، أو في طريقه إلى عملِه‎.‎‏ تُضحِكُكَ ‏الجملة السابقة؟ أعلم.. حتى أنا! أوقِن بأنّك ستصفّق لي هذه المرة –لسبب ما– ‏و تقول: أوه! أصبحتِ تحسبين فارِق التوقيت بين المكانين. و سأقول لك: بل ‏أكثر من ذلك يا “أمبيرتو”. أكثر؛ لأنني أصبحتُ أُقيم حساباً لخطوط الطول الفاصِلة بيننا، الساعات الخمس المتناوبة بيني و بينه. غدوْتُ أنتظِر اليوم الرابع عشر من كل ‏شهرٍ لأعرف حجم الحب هذه المرة، شهراً تِلوَ الآخر لأعرف إن كان سيلِد ‏‏”خديجاً” كبقية القصص، أم يؤتي ثمره كاملاً.. على غير العادة. والبوْح؛ البوْح بالشوق –يا صديقي– على هذا البُعدِ مُزعج، شيء ما يمنعني من الاستشعار الكامل للمبثوث عبر أبراج هواتفنا والمدوّن في الرسائل القصيرة. على أنني يا عزيزي لا أتذكر إن كنتُ –فيما سبَق– أعدّ الأيام واحدة تِلوَ الأخرى ‏بشغفٍ مستميتٍ كما أفعل الآن. دون أن أنسى العدّ الرابع عشري من كل شهر؛ بدأنا عدّاً آخر ‏منذ مارس الماضي، ويبدو أننا أخفقنا تلك المرة، مارِس كان بغيضاً بما ‏يكفي، كان أطوَل وأبطأ مما ينبغي. ثم..

إبريل؛ ‏الشهر الأكثر امتلاءً بالأحداث هذا العام، الشهر الذي استطاعَ –أخيراً– انتزاعنا ‏من بيوتنا وأعمالنا لنتلقي. لأرفع الستار عن الطفل الراقص في قلبي، لأعرف ‏نوعه، حجمه، رهبته، صوْته، أمانه، دقّاته، سروره، ومزاجه. لأراه ماثلاً أمام عيني ‏يا “أمبيرتو”.. وهو ما لم تفعله مُذ رجوْتُك. ‏

يُقلِقني يا “أمبيرتو” أن أحاديثنا اليوم ما عاد لها طعم الديمومة، حكاياتنا، مشاعِرنا، أشواقنا، وحزننا المبثوث للطرف الآخر؛ أصبح لحظياً أكثر من اللازم. ولا أعتقِد أن الرسائل المتبادلة بيني وبينه هذه الأيام لو سقطت في يدِ أحدٍ ما ستشكّل أهمية له، ومَن يقرؤها. هذه التقنية التي محَت لهفة انتظار كلمات الطرف الآخر، شوقَ سماع جرس ساعي البريد، الورقة المعطّرة المطويّة بعناية، شكل الظرف الملائم للحدث، وطابِع البريد الذي نلصِقه بعناية بالغة في طرفِ الظرف، وطرفِ قلوبنا. ماعدنا نفعل ذلك، وماعاد هناك ورقٌ نعطّره لمَن نحبّ يا “أمبيرتو”، وورق نستشعر في حِبره طعم الشوق واللهفة والدهشة. حتى حين غضِبتُ منه ذات يوم كتبتُ له ” أنا زعلانة “، وفقط. أقول ذلك بينما أقرأ رسائل بيتهوفِن إلى جوزفين، ورسائل غسّان كنفاني إلى غادة السمّان. أُخبِرك بهذا بينما أقلّب رسائله الأولى لي، تلك التي صاحبتْ بوْحه الأول –فكان خوفي– في تلك الليلة، والليالي التي تلَت. ثم رسالته حين أسرّ لي ذات ليلة كان السُعال رفيقي:Humm, talking through here or over the phone is just something temporary. No feelings will pass till I feel it and live it with you. Sleep well love

أتعلم يا صديقي ما الذي يُقلِقني عليك؟ أنّك كنت تسمعني أكثر مما ينبغي، أنك تتركني أحكي لكَ أكثر مما يجب، تستحثّني على القصّ للحدّ الذي يجِف فيه حلقي، وتنتظِرني على حاقة السمْع منصِتاً. يُقلِقني الآن أنك تقرؤني أكثر من اللازم، أنني أخلع رداء كبيريائي أمامك وحدك، ولا يُهمّك عُريّ رأسي. تعرِف –أكثر من اللازم– كيف تتعلق بخصلاتِ شعري حتى بعد أن قصصتُ المشوّه منها، تلفّها بين أصابِعكَ، و تنزِع الشعرات البيضاء التي بدأت تغزو سوادها. تستمتع وأنتَ تراني أغزِل من الحديث أساوِر وكنزاتٍ أعلّقها فوْر انتهائي منها، ثم دون أن أعلم، تفكّها خيطاً، خيطاً.. لئلا أذكر ما غزَلْتُ. يُقلقُني أنني أحكي لكَ أحلامي الساذجة وكيف تبدّلت، وكيف أخذت حياتي منحىً آخر، والأيام التي أعيشها كيف تشكّلت. كل هذا وأنت تبتسِم، دون أن تحكِ لي، دون أن تقصّ عليّ كيف تجاوزتَ امتحان الأدب الإنجليزي الذي تكرهه، وكيف ما عادت سيارتك الـMini Cooper تقِف بك في الليالي الممطِرة.. إنني أضعُ رأسي على هاوية الكلام وأهذي، أهذي، أهذي.. للحدّ الذي بات يُزعِجني أكثر وأكثر أن تلك الساعات الطويلة التي أقضيها في الكتابة إليك تتقلّص رويداً رويداً، أنني ما عدت أكتب لكَ كل يوم، ما عدت أرتاد ذاك المقهى في كل يومٍ عاصِفٍ علّني ألتقيك، وما عدت أملِك صبراً يسمح بتكديس القصص في ورقة ذات أطراف بنفسجية. البنتُ التي عرفتَتها أنتَ ذات يومٍ ما عادت هي نفسها. أكره هذا التبدّل خوفَ أن لا تعرِفني يوماً، و خوفَ أن تلومني كما البقية “أنتِ لستِ مَن أعرف!”.

Two cups never meant two people, they always meant one person & a lot of issues

 صديقي الذي أحِبّ..

ستصِلك هذه الرسالة في الوقت الذي تهبِط في مطار مدينتي طائرة تُقِلّه، وعدته ‏أن أكون هناك، أن أسير معه في الطرقات ذاتها تحت مظلّة واحدة، وفي بالي ‏أن أسأله قبل كل شيء: لمَ أنا؟ لمَ الأنثى الساكِنة أقصى الشرق؟. ‏قبل أن يحدث أي شيء؛ عِدْني –يا عزيزي– أن تبقى بالقُرب، أن تلوّح لي بيدكَ إن فكّرت العروج ‏على ذات المقهى ورأيتني معه. وإن اشتهيتَ القهوة في ذاتِ الساعة التي أفعل؛ تأكّد بأنهم ‏أحضروا لي قهوتي أيضاً. وفي اللحظة التي تبحثُ فيها عن عود ثقابٍ لتُشعِل به سيجارك الكوبِي؛ لا تمنعني من تجربة سجائر التبغ المستورَد، أعِدك أنه سيكون أكثر جودة من المحلّي، ولن أستيقِظ ليلاً أسعُل. عِدْني يا “أمبيرتو” أن تحتضِنني وتبتسِم في وجهي إن أبكاني، وامنعْهُ، امنعْهُ دائماً من أن يكسِرني، أو يُحاوِل. عِدْني –أكثر من مرة– أن لا تسير دون أن تكون يدُكَ في جيبك، حتى ‏لا تخطِفها أنثى أخرى، وتسير إلى جِوارِك.. ‏و دائماً، غنِّ لي، غنِّ.. فهو لن يفعل، لأني “أراقص طيفكَ حين أغني”.

 

__________________________

أبْجد:

أنت لا تعلم كم أحب المبثوث إليك وحدكَ، أولاً؛ لأنك تقرؤه دون أن أبعثه لكَ حقيقة، ثم.. لأنك ككل المرات تُغلِق ظرف رسائلك دون أن تُنجدني بعنوانك. وأقرؤها أنا دون أن تصِلني..

 

Advertisements

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s