ثلاثون.. والعمر يتهاوى!

كم من المرات كان عليك الكتابة للسنّ الذي يُتوقّع فيه الكثير منك؟ مرة، اثنان، ثلاثة.. صفر؟ ربما! وربما مُذ ابتدأتَ الكتابة.. التعرّي! ثلاثون.. وأنا –بعناد طفلٍ– أردد على مسمعِهم: بقي شهر، بقي 3 أسابيع، بقي 17 يوماً، بقي أسبوع…. وفي كل مرة تختلف الإجابات.

ما الذي يعنيه أن تكون في سنّ الثلاثين؟ ابتداؤه، توسّطه، وانتهاؤه؟ ألا يتشابه السيناريو الرقمي هنا بالعشرة الأولى؟ بالعشرة السابقة؟ ما المختلِف بين الرقمين ” 2 ” و ” 3 ” سوى وِحدة زائدة في الثانية عن الأولى، ومقرونة بصفرٍ مُشابه في القيمة. حيث لا قيمة رياضية لتلك الدائرة المفرغة في المنتصف إذا وُضِعت في مكان آخر.

– تعلمُ ما المُميّز في أغسطس(ي) الثلاثين؟

 – ماهو؟

– قبل الثامن و العشرين؛ كل الأصدقاء القدامى جداً والذين ما حادثتهم منذ شهور لسبب ما؛ عاودوا الاتصال بي! أحدهم كانت محاولته الألف بعد المئة لأن نعود إلى سابِق عهدنا، وآخر ما ناسبتني طريقته في معاقرة الحياة، وآخر اشتاااق!

– ما فعلتِ مع الأخير؟

– ما كان يهمّني كالصديق الثاني فيهم

– لمَ؟

حدّثني من بلده التي عاد إليها في إجازة، كان يسألني إن كنتُ أوصيه شيئاً من هناك، سكتُ. عاوَدنا السؤال عن الحال بعد ذاك الغياب. ثم قال: لا أحب أن أفقِد أصدقائي.. وبكَى! لا أعلمُ لمَ، فنحن لم نختلِف، و لم ترتفع أصواتنا على بعضنا. فقط ابتعدتُ بهدوء. وإن حدَث واختلفنا؛ فما كنتُ لأبيّت حقداً لرفقتي.

ثلاثون.. وأمي كلما حكَيت لها عن جزئي الذي هَوى قبل أشهر تربّت على كتفِ قلبي وتخبرني أنني سأنهض، ستُنسيني الأيام، سأُشفى. ثم تضحك ملء القلب وتغمِز لي بعدها أن أنسى القفل! أسألها: ماذا لو غيّرت المكان؟ تؤيّدني، و تدعو أن يُزرع بشراً قبل أن أصِل. ويحدث! ليتَكِ دعوت بضياع القفل عِوضاً عن نسيانه.

أن تكون في المنتصف، في الفترة التي عليكَ أن تستحضر سلبياتِ حماقاتِ المراهقة ومغامرات العشرين فلا تتكرر ذات الأخطاء –إن عاودتَ ممارستها– في ثلاثينيّتك. تتكئ على شرفة نافذتك المطلة على منتصف عمرك، الدائرة، الموضوع، الحدث.. وتكتشف -فجاة- أنك تعلّمت كل شيء من منتصفه، أنك عرفت ما الذي يُساعد على العيش/ اجترار الحياة، لتستمر. أن تكون في الفترة التي يُقيّمك فيه الآخرون على أنك واعٍ بما فيه الكفاية لأن تُحاسَب عاقلاً، وصغير بما فيه الكفاية لأن يُسكَت عن نتائج مغامراتك. الوقت الوحيد الذي تعيش فيه حياتك بأكملِها هي ما بين الثلاثين والستّين، فالأقل سناً يكونون رهائن أحلامهم و آمالهم، وكبار السن يجترّون ندمهم. وحدهم الشباب/مَن يعيشون منتصف أعمارهم يستعملون حواسّهم الخمس للمحافظة على ذكائهم/ للحياة.

ثلاثون.. وجاري أحمد الذي كشف لي مستقبلاً قرأه في ورقة لعب يسألني: متى عيد ميلادك؟

– 28 هذا الشهر.

يتأكد مما يراه، يبتسم، و يُغلِقها.

يقع قلبي؛ و أسأله: لم؟

– لا شيء..

– هناك ما يُقلِق؟

– لا أدري.. ربما يكون حقيقة، أو عبث!

– تعلم أني لا أصدّق هكذا أمور. فقط أخبِر فضولي

– لا تتعجّلي. فقط

 في هذه المرحلة؛ الأكثر وجعاً أن تكبر، أن تسير وتسير في طريقٍ وعِر ومعك رِفقة آمنتَ للحظة أنهم أصدقاؤك، تلتفت –ذات عثرة– لتكتشِف أنهم سراب، كانوا خيالاتٍ تتضاحك معك، تضحك عليك، تُبكيك، و تمتهِن إيلامك. أغسطس بكشفه للمخبوء جدد جرح يوليو، جدد مآسٍ لم تشأ بعد أن تهدأ. أغسطس(ي) الثلاثين جمع كل متضاد وزاحمه في رزنامة قصيرة.. وخنقني! أتذكّر: “الصداقات التي كونتها في الكبر، لها خاصية التطاير” تالة تقول لي: هذا ليس صحيحاً دائماً. وأسكت.. ثم أسأل: كيف لـ”سوما” أن تنجو من تلك المعادلة؟ أخبريني يا صديقتي أي قلبٍ تملكين حين تدعين لي قبلك، وصغيرَيكِ؟

ثلاثون.. ووحدَه جاري الأربعيني Rin من بين مَن عرفتهم استطاع تخمين عمري الحقيقي حين التقينا في الحديقة المشتركة قبل شهرين، بينما كان يحكي لي قصص حماقاته مُنذ استقلّ بذاته وحتى قبل 5 سنوات حين قرر أن يستقرّ بعائلة. هذا العاقل أحبه حين يضحكُ على سذاجاتي والمقالب التي أنفّذها على قطتنا التي ابتعناها سوياً. يوصِل الصغيرين ويعتني بهما، يسألني عما ينقص البيت والثلاجة نهاية كل أسبوع في جولات التسوّق، وحين يستيقظ مع خيوط الشمس الأولى؛ يأخذ حقيبة الملابس إلى المغسلة دون أن أطلب منه ذلك. أحبه –أكثر– حين يربّت على كتفي معتذراً عن انشغاله طِوال الشهر بأعماله التي لا تنتهي إلا الرابعة فجراً. أحبه –أقل– حين يستجوِبني عن ساعات خروجي المسائي وملاقاتي للصديقات، و يلومني بنبرة صوته المستنكرة إن تأخرتُ.. بينما ينسى انشغاله.

قائمة الأصدقاء اتسعت كثيراً هذا العام، اتسعت للدرجة التي وجدتني أُصافِح بعضاً ممن لا أعرف وجوههم ولا أذكر أسماءهم، أرى وجوهاً تتكرر في المناسبات وما استطعت تخطّي حاجز الخجل إلا قريباً. الآن؛ أصبحتُ لا أتحجج أنني لا أتذكر أحداً، وأن ذاكرتني تشبه ذاكرة السمكة، ولا عقلي الذي يحفظ الوجوه ولا يحفظ أسماءهم. خلال الأحداث الأخيرة؛ اكتشفتُ أنّ هناك مَن يعرِفني –اسمي و مَن أكون على الأقل– دون أن تكون بيننا أية خطوة تنبّئ عن اتصال تمّ، دون أن أكون قد رأيتهم حقاً. هكذا –وجهاً لوجه– و دون سابق إشعار يباركون لي، أو يعزّونني في صديقة.

ثلاثون.. وأغني على مسمعٍ مني

“جاي هدية حبيبك على جنح الطير

باعتلك نسمه تجيبيك

بعجقة هالسير

باعتلك نسمه تشيليك

فوق هلطرقات

عجقة سير وسيارات

وصوت سكربينات

وإيدين تغني فيهن

سكّر يا بنات

سكّر يا بنات”

وأهمِس لـ 28 أغسطس 2011 أن أرِني ما في جُعبَتك!

Advertisements

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s