عزيزي أمبيرتو (الرسالة الرابعة قبل الأخيرة)

 

“والميعاد عيّا ينتظر ملهوف..

تبيه والساعة دهر

ما مرّ

ما أرسل خبر ..

تبيه..

ما ملّت وظلت تحتريه” *

يبدو أنها بداية غير موفّقة! عذراً يا رفيقي.

 

عزيزي أمبيرتو..

تغاضى عن البداية الحمقاء في أول الورقة، أدِر لها ظهرك كما أصبحتُ أفعل مؤخراً واقرأِ الرسالة من أي طرفٍ شئتَ. كل البدايات حمقاء يا عزيزي، في كل شيء.

               

أصدقك القول؟

لم تكن هناك بدايات في الحقيقة، بدايات واقعية، بدايات مرئية، بدايات ناضجة… إلخ. بالنسبة لي على الأقل؛ كل البدايات مجازفات، تماماً كابتداء رسالتي هذه إليك. كل البدايات حماقات جنونية، تهوّر، وعدم تفكير في العواقب. كل البدايات مجازفات، تماماً كابتدائي وإيّاه حديثنا قبل ليلتين وكأن لا شيء سيء حدث بيننا منذ أشهر طِوال، وكأنه ذات يوم مشهود لم يُبكيني. كل البدايات مُغالطات في حقّ مصائرنا، مراهقات متأخرة، وقُصر نظر؛ كابتدائه القصة التي استنزفَت مني كل جُرأة تدفعني للبدء بعده.. بدونه.

هذه البدايات التي منحتك فضولاً قوياً خوّلك من اقتحام عزلتي ذات صباح في طاولة المقهى والتلصص على ما أكتب ثم طلبِ الجلوس على الكرسي الفارغ أمامي متجاهلاً إمكانية أن أخبِرك بأنني أنتظر صديقاً أو أعترِض على مجرد وجودك. هذه البدايات التي تغريني لمغازلتك عن بُعد وأنت تجلس في ركنٍ من الحانة الإيرلندية، متجاهِلة نظرات الرّفاقِ المحيطين بي وبِك، متجاهلة إحتمالية عدم رؤيتك لي –أساساً– وسط العتمة، ومتجاهِلة الاحتمال الأرجح في ألا يكون الجالس قبالتي هو أنت!. البدايات التي تجعلني أحدّق في القادمين من الجهة المقابلة، النازلين أو الصاعدين على السلّم المتحرّك مغترّة بعينيّ النمريّتين اللتين يتغزّل بهما صديقنا خالد. يكتمل مسلسل التحديق ذاك حين يرتاب الضحية ويردّ النظرة/ التحديق بأخرى أكثر سحراً، استغراباً، ابتسامة، غزلاً، والآخر منهم –أكثرهم– مَن يُضحكني حين يلتفِت وراءه!.

 كيف ابتدأتَ حياتك يا “أمبيرتو”؟

كلنا نتذمّر من البدايات المُقحَمة في حياتنا. طفولتنا، مراهقتنا، شبابنا، الحبيب الأول، أعمالنا، زواجنا، الطفل الأول، المشروع الأول، البيت الأول.. نتذمّر من الإخفاقات التي تعتريها أو واحدة منها على الأقل. لمَ تبدو الخيارات الأولى غير عادِلة عادة؟ لمَ تبدو هشة، ناقصة، قابلة للّلوم؟ أنت نفسك ما كنتَ تتصوّر بدايتنا معاً إلى أين ستأخذنا. لا تقل لي: المهم أننا هنا الآن. لا يا عزيزي، ما يحدث الآن يختلِف عن الابتداء تماماً. ما يحدث الآن، وما أشتكيه لك، يختلِف قطعاً. اسألنِ لمَ؟ وسأخبِرك بأنّ التي التقيتَها نسِيَت حياتها التي ابتدأتْها كالمِعطف الذي نسيَته في الحانة.. بسيطة هي الحِسبة هكذا.

تذكر “سلمان” يا “أمبيرتو”؟ ذلك المعتوه –في نظري– الذي كان يحكي فلسفة العلاقات البشرية بين كل إثنين، كان يحكي لنا أسباب فشلها متناسياً نشأة المتحلّقين حوله والبيئات التي جاءوا منها. “سلمان” الإيراني كان يقول أنّ العلاقات الشرقية تشبه الفروض المصيرية، تشبه نقطة الخلاص التي لا ملاذ منها، تشبه نقطة الصفر الخاوية وكأنها تحصيل حاصِل. هي في كل الأحوال تسير على النمط الخاطئ في نظره حين تبدأ بالتحيات المتبادلة، الابتسامات عن بُعْد، تبادًل الأرقام، الحوارات السقيمة المتكررة، الهواتف الليلية كل ليلة، والعشاءات المتتالية. ينتهي الأمر بتحديد شكل النهاية التي إما أن تأخذ شكلاً درامياً مبكياً أو فرحة مستهلَكة. حين سألناه عن النمط الأصح؛ قال أنه العكس!. بكل حماس كان يشرح لنا علاقة بشرية تبدأ بتحيّتين وابتسامة، ثم قبلة. هذه القُبلة من شأنها تحديد ما كان على الإثنين الاستمرار فيما ابتدآه أو انهائه.. هكذا ببساطة.

خرجنا من المكان مسلّمين بأن “سلمان” يبسّط الأمور أكثر من اللازم، وأنه يبحث عن وسيلة ما يتمرّد بها على بشريّته وثقافتنا، وأن هذا المستوى من الجُرأة غير مقبول في أوساطنا الاجتماعية أبداً. لكننا في قرارة نفسِنا –أو بعضِنا على الأقل– كنا نفكّر في إمكانية حدوث ما قاله في زمن/ مكانٍ ما. أخريات كنّ يتخوّفن من مصيرهنّ مع أصدقائهنّ ونظرات التهديد النسائية تحذّر من مجرد التفكير في الأمر. نحن؟ نحن كنا نسمع و نضحك، نعلم أن ما بيننا تعدّى تلك المراحل بكثير.. جداً.

ما الذي يحدث هذه الأيام يا “أمبيرتو”؟ أعترف بأن ما يحدث الآن لا يسرّني كثيراً، وأعلم أنه مؤذٍ لي، وله. ما يحدث الآن خارج سياق الاتفاق المُبرم يا عزيزي. ما يحدث الآن ينكأ جرحاً قاومنا كثيراً حتى ظننا أنه برُأَ كما يجب. ما يحدث الآن جعلني أنكسِر مرة أخرى، أغفِر له زلّته السابقة وأمحوَ كل وجعٍ ألحقَه بي مع وميض اسمه على شاشة الهاتِف ذات ليل. ما يحدث الآن أعادني شهوراً إلى الوراء وهو يُسائلني بعد أن فضحتني شهقة البكاء: “أسوم فيكِ شي؟” وأرجعني طفلته التي دللّها حتى العُمق قبل أن ينساها خلفَه. ما يحدث الآن أزاح ذلك الخمار الذي كان يغطّي ألماً متمرّداً لم أستطِع استئصاله كما البقية حين أحار “سوما” في كل مهاتفات التشكّي:

– اش معنى هو مو قادرة تنسيه؟

– ما أدري

– حبّي تاني، ما حقول لك لأ. ولا اعترض

– بس لو كان بيدي

ستلومني أنتَ الآخر؟ أخبِرني يا “أمبيرتو” إذن؛ ما أفعل بقلبٍ أُغرِقت تفاصيل خلاياه كما لم يحدث من قبل ومن بعد؟ ما أفعل بقلبٍ مُحِيَت كل مستخلصاته الماضية ونسِيَ كيف يفتعِل أخرى؟ أخبرني ما أفعل بالأنثى التي مرّت بكل تفاصيلها العُمرية معه؟ الأنثى التي تدرّجَت مراحِلها العمرية كلها خلال ثلاثة أشهر. البنت التي كان يُحيلُها صوته طفلة تراه كبيراً يبتاع لها ما أرادت من سكاكِر وتناقِشه ” لمَ خلقنا الله”. المُراهِقة التي كان يفتح لها كل أبواب التمرّد بأمانٍ حتى وإن طالبَت بنقش خطوطٍ سود على ساعِدها الأيسر. المرأة المكتمِلة أنوثة حين يسير إلى جوارِها محتضناً كفّها، يسمع نُكاتِها، يغني لها ويراقصها ليلاً على أطراف شاطئٍ بعيد. مُدللته التي كان لا ينام دون احتضانِ صوتِها الناعس في الليالي التي تسبِقه فيها للنوم. صغيرته التي كان يسترضيها إبقاء بخاخ الفنتولين بالقرب ويُبكيها إذا أخلفت موعِد الطبيب. كان عيدُها الذي لم يأتِ، وميلادُها الذي غاب.

لم تكن الحياة عادِلة يا عزيزي حين ترصّدتنا لتجمعنا، ثم تفرّقنا على حين غفلة. ما كانت عادِلة وهي تراني وإياه نتلاشى دون خِلاف، وتقرر بدلاً منا أن كِلانا لا نصلح للطرف الآخر. أخطأت الحياة إذْ لم توجِد شيئاً –مهما كانت واقعيّته– نختلِف عليه، ليكون عذراً نلوكه أمام الآخرين.. وأمام عقلي.  هي أكثر جوْراً حين ترانا –بعد كل ما حصل– نتبادل سلاماً باهتاً ورسائل نختصِر فيها أخبارنا المستجدّة، كأيّ صديقين عابرَين. كان على الحياة أن تكون أكثر رأفة بنا حين وضعتنا في مسارٍ واحد، كان عليها أن تنبّأ له أنه سيأخذ مساراً مختلِفاً عند أول مُنعطفٍ وينساني. كان على الحياة أن تنبّئني بأنني سأتألّم على يده، ثم يندم.. كان عليها أن تنبّئه لئلا يفعل. كان عليها أن تُغمِض عيني عنه، عن أحاديثه الأولى معي. عن مُحاولاته للتقرب مني. كان على الحياة –حين غادَرني– أن تسلَب مني ذاكرة كاملة سكنتني.. ولن أعترِض. كان على الحياة ألا تجمَع اثنين –أي اثنين– في مساراتٍ متفرّعة.

ما الذي يجعلنا نتعلّق بالمُحيطين بنا بعد أن يتركوننا غير ذاكرة وأوقات جمعتنا بهم؟ ما الذي يجعلنا نخاف تِكرار المواقِف القاسية التي مررنا بها؟ ما الذي يجعلنا نجْفل عن أولئك الذين يحاولون التقرّب، ونُعيد ترميم الأسوار من جديد بعد أن كنّا قد قطعنا أميال عامودية؟ ما الذي يجعلني -بالذات- كلّما التقَيتُ أحداً أو تقرَّب أحدهم سألتُ نفسي: هل سيكون طيّباً طِوال الوقت مثله، ويبتعِد بقسوة مثله أيضاً؟ كلّما سمِعتني “سوما” أكرّر السؤال الآنف تُخبرني: ليس كل البشر كما هو! وأصمت. لأنها تتذكر تماماً ما قالته يوماً أنهم مهما اختلفوا –شكلاً و مضموناً– فجميعهم في نهاية المطافِ “رجال”، وكلّهم سواء. أتداركُ الأمر حينها و أخبِرها:

– إلا “أمبيرتو” يا “سوما” مستحيل!

– “أمبيرتو” لا يسكن مكاناً إلّاكِ يا عزيزتي

– ربما! لكنه يتجلّى أمامي غير خيالٍ مراراً

هذه الأيام لا أفعل شيئاً يا “أمبيرتو” سوى الذهاب للعمل ومحاولة التملّص من الواجبات و الالتزامات ليلاً. أصبحت أدمن تحاشي الآخرين نهاراً، في كل مكان يعجّ بوسائل الاتصال التي تخترق أوقاتنا ورغبتي أن أكون وحدي. لا شيء يربطني بالعالم إلا هاتِف صغير لا أردّ على مكالمته. تجدني منذ التاسعة ليلاً أعتكِف في حجرتي؛ بين يديّ كتاب وبجانبي قميصه المنسيّ. في الأجواء موسيقى أحرِص غالباً على ألا أكون قد سمِعتها في الفترة التي جمعتنا معاً.

أفعل كل ذلك وأقلق على أصدقائي اللذين يحكون لي انكساراتهم دون أن يعلموا، أراقبهم عن بُعدٍ مبتسمة، فرِحة أنّهم أشركوني أيامهم.

يوماً ما يا عزيزي سأحزِم حقائبي كما اتفقنا ذات يوم. أنا وأنت. سنحمِلها إلى أقرب رحلة تأخذنا لأبعد مدينة هنا، لن نرتّب أي برنامج سياحي ولن نقرر منذ الآن في أي فندق سنقيم. إن التقَينا حينها ولم تعرِفني، ضع يدَك على يسارِ صدرك، إن زادت النبضات في الثانية أكثر من ثلاثٍ فاعلم أنّ مَن أمامكَ هي أنا..

 أخبِرني حينها ما أفعل بالأنثى التي ما عرَف السكون إليها، وفاتَهُ أن ينساها.

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s