عزيزي أمبيرتو (الرسالة الخامسة قبل الأخيرة)

عزيزي أمبيرتو..

أعلم أنه كان المفترض عليّ كتابة الرسالة هذه إليك ليلة رأس السنة، أو يومين بعدها على الأقل. أخّرتها هذه المرة حتى اليوم الأخير من الشهر كمهلة أمنحها نفسي علّ الأشياء تتغيّر، علّ الحياة تمنحني مساحة للفرح الحقيقي، أو على الأقل علّك تشتاق و تقرر مفاجأتي هنا. لم يحدث أي من ذاك على أية حال.. فاستسلمت.

أصارحك بأنني الآن أعصر ذاكرتي المثقوبة حتى تكتمل الرسالة، أبحث عن الكلمات الأقل وقعٍ مؤلمٍ عليك. يكفيك ربما ما قرأته مني فيما سبق وشكواي الممتدة على طول المحيط. اممم حسناً دعني أجمّلها قليلاً؛ كانت حديثاً عابراً أنتظر كتابته إليك لأنساه. وأعترف بأنني كنت أنانية –جداً– حين اتخذت الكتابة إليك وسيلة للنسيان.

 عليك الآن أن تشفى ببساطة من قلبك -ليس منهم- لأجلك، للحياة الجميلة بداخلك.. قدّر فقط أنّ غيابهم هو موتهم وأبكيهم قليلاً.. لا تستغرق عمرك في ندبهم لأنّ لا أحد منهم سيتوقف ويعود لحملك أنت الزائد عن حاجة قلوبهم.

غادة خالد

 

ديسبمر كان مُبهجاً بما يكفي لأغفر جزءاً من زلات الشهور التي سبقته، كان أشبه بمخدّر للأوجاع التي غُرِزت واحدة تلو الأخرى على مرأى منك، ومني. حمل لي نسماتٍ لطيفة تشعرني أنني استحققت العام الثلاثين لي بكل ما فيه. على مدى ثلاثين يوماً؛ كنت أراقب حياتي الحاليّة بعين أكبر، أوسع.. ربما. أحاول الالتفات لكل الأشياء والناس الذين أهملتهم في السنوات الماضية. أراقب الصغيرين اللذين لا يكفّان عن النمو بسرعة بعيداً عن عيني، أسمع لنكاتهما وانتقاداتهما التي لا تنتهي، ولتأففهما من عدم سماحي لهما اللعب بهاتفي. أترك لأمي تدليلي كيفما تريد، تدعو لي كيفما تريد، وتخبرني أي شيء تريد. أنا في الحقيقة أترك لنفسي لذة التمتع بالبنوّة، بالشعور أنّ هناك حقاً قلباً كاملاً يمكنني اللجوء إليه، والاحتماء بظلّه بدل قلبي المثقوب. أشكو لأخي الأكبر ظلم رجلٍ، وأبكي على مسمعٍ منه للمرة الأولى. آمنت في الأيام الأخيرة كم أنا ضعيفة، وكم كنت أتصنّع قوّة لا أتحمّلها.

تعلم يا عزيزي ما الذي يدعو للسخرية الآن؟ أنني مكثت شهوراً سابقة أدّعي نسيانه، أدّعي مُضيي في الحياة كما يجب، أو كما كنت أريد. اكتشفت مؤخراً أنني لم أفعل. وأنّ تلك الأنثى التي كنتُ فيما مضى بكل خطاياه المرتكبة لم تكن سوى النسخة المظلومة مني، النسخة القابلة لأن تكون سيئة لأقصى درجة، وجيّدة لأبعد مدى في آن. هذا ما كان يحدث في الليالي التي تسرقني فيها الحياة مني، في الليالي التي أكون فيها على استعداد تامٍ لفقدان كل الحواس، للانعتاق مما أنا فيه، وللتمرّد على الفتاة الطيّبة التي تظنني إياها أمي. هه! كنتُ فيما سبق أسأل صديقة: ما نسبة سهولة الدخول في غيبوبة؟ وفي مرحلةٍ أخرى أصحبت أنادي الصديقات إلى مكانٍ ما أفقد فيه عقلي أو جزءاً منه على الأقل، لأبتسم للغرباء الذين يمتهنون التحديق، أطلب منهن أن يكنّ معي حينها ليعدنني إلى البيت دون مشاكل.

والآن؛ ثمة ألم عجيب يا عزيزي، ألم تعبت من التشكّي منه، من التحدث عنه. ألمٌ ساخرٌ جداً، يُفرِج لي في ليالي الأرق الأخيرة عن ابتسامة ماكرة، عن عين تتلصص أحلامي التي كنت أرتبها متوازية مع خصلات شعري، عن يدٍ طويلة تمتدّ تفتش في كيس الوسادة عن سرٍ يفضح.

أتساءل الآن عن حجم الأسئلة التي خلّفها غيابه، الأسئلة التي حتى بعد عودته لم يكلّف ذاته الإجابة عليها، ولم أتكلّف إعادة سؤاله بعد العودة. أرقبه عن بُعد ونحن نتبادل كلماتٍ ممشوقة، تسير على خطٍ غير مرئي، تخبرنا “سراً” ما، لم نسطع التفوّه به، أو في الحقيقة أننا ندرك سهولة قوله لكننا لا نريد. هو الذي اعتاد مني الكتابة إليه كلما ظلمني، وحيثما اشتقت.. لكنه يتغافل. أتساءل عن أهمية الحياة ونحن نعيشها على النمط الحالي؛ الطريقة التي ظنّها الأسهل والأسلم لنا نحن الإثنين، فيما كانت الأصعب علي. أن نبقى معاً دون أن يحدث ذلك حقاً. أن نتحدث في كل شيء سوى أن نشتاق، أن نتغزّل، أن نعاتب.. أن نمارس خطايا العاشقين. أن نعيش الحياة على طرفين؛ أمسِك أنا أقصى شرقها ويُمسك هو أوسطها، ولا نلتقي. أن نتحدّث ليلة ما مطوّلاً دون أن أملك الجرأة الكاملة ولا الحق في أن أقول له: مازلت أحبك، أن أخبره ليلة عيد ميلاده: عمراً مديداً بي، ومعي، أن أخبره يوم أمرض: ليتك هنا.

صديق قديم كنت أخبره عما حدث قبل عام وأسبوعين، عن أحبك “الأولى”.. يومها، وقعها، جرحها! كان يطلبني تناسي الأمر. أخبرني أنتَ يا عزيزي؛ كيف أنسى ثقباً في قلبي؟ كيف أتجاهل ثقباً يمتد ويتمد كلما امتدّ الشوق؟ كيف أرمم ثقباً أحدَثه في ليلة عمرٍ لم تبدأ؟ وحين بدأت؛ بدأت مشوّهة، كسيرة، خديجة، ممتلئة عيوباً.

لا شيء يحدث هذه الأيام يا “أمبيرتو” سوى قدرٍ يكمل استهزاءه بي، يبعثه إليّ كلما اشتقت إليه اسماً يظهر في هاتفي برسالة ما. هذا الشوق الممتدّ يقطع مسافات غير قريبة، من مدينة ما عرفت الشتاء ذات يوم إلى مدينة تجمع الشتاء والغبار في آن. كريه هذا الشوق يا عزيزي. سخيف هذا الشوق الذي يقتات من ألمٍ لم يُشفى، وخيبة لم تُجبر. كريه هذا الشوق الذي يشتدّ ويمتدّ في الوقت الخطأ، في اللحظة التي يستكين قلبي إلى البُعد، في الزمن الذي أقرر فيه أن لا أشتاق. كريه هذا الشوق الذي يُعيده في الزمن الذي أخليتُ فيه عمري منه، يعود في هذه اللحظة من العمر، حيث لا أجد له فيها موضعاً. كريه هذا الشوق الممتدّ مُذ غادر، مُذ نأى دون أن يقنعني، مُذ أنا بذاك ارتضَيت.

انتظرني يا “أمبيرتو”، على تلك الجزيرة، والمقهى الذي التقينا فيه أول مرة. في التاريخ والوقت ذاته.. سأكون هناك. ربما حان الوقت لأن نتحدث أكثر، لأن أغرِق وجهي بصوتك، بضحكك، بوجهك الذي يعبِس إذ عبست. بك حيث ينشأ امتداد آخر.

أدرك أنك أخبرتني مراراً بأن هذا ما يجب علينا فعله، وأنني في أوقاتٍ كثيرة كنت أرجوك تأخيره، وكنت تساير الصغيرة التي فهمت متأخرة ماذا كنت تريد. أقدّر لك يا عزيزي صبرك، حضورك، ويدك التي تربّت على ثقب القلب دون أن تؤلمه. وأدرك جيداً أن هذا الحديث المكتوب بيننا ما عاد يشفي كما يجب.. ولا يروي.

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s