عزيزي أمبيرتو (الرسالة السادسة قبل الأخيرة)

عزيزي أمبيرتو..

هل سبق وأن فاجأتك نوبة سعادة؟ نعم؛ نوبة سعادة.. أو بشكلٍ عام؛ حالة مؤلفة من السكينة والاطمئنان ونسيان التفكير فيما هو قادم. تأتي فجأة، في اللحظة التي لا تتخيّل قدومها. تتسلل خفية، تتوغل في أعماقك، حتى تتلبّسك عن آخرك.. من حيث لا تشعر. تراقبك جيداً، جيداً حتى اللحظة التي تكون فيها قد رفعت لواء اليأس من أن تنال ما تريد؛ ثم.. تقف أمامك قدراً لا تتيه عنه. هذه هي نوبة السعادة، مفاجأتها. وربما أصبح من الأجدر لي تسميتها “نوبة حب”.

هذا ما يحدث الآن، حقيقة أمام عينيّ. أحكيها لك بعد بضعة أسابيع كنت أقلّب فيها رسالتك الأخيرة وأنت تلومني على تمسّكي بماضٍ أعرج، وحكاية خُلِقت مشوهة، ثم ماتت شنقاً. رسالتك التي حملت لي صوت قيثارة أسبانيا، السهرات اللاتينية، ورقصة السالسا التي ابتدأت تعلمها ولم أتقنها بعد. رسالتك التي جاءت –كعادتها– في الزمن المناسب، وكأن نورساً ما ارتحل من شواطئ بلدي إلى نافذتك التي تطل ع الكاريبي، ليعود مرة أخرى بك. وحدث..

حدَث ما خطَطته أنتَ في زمن ما، حدث ما أرهقك تلقينك إياي طِوال الشهور الماضية، حدَث ما كنت تُتمتِم به على رأسي في ليالي شكواي من أرقٍ مزمن ساء في الشهر الأخير من العام الفائت. أصدقكَ القول يا “أمبيرتو”؟ ما كان الأمر في حاجة حقيقية إلى كل ذاك. لكنني أنا التي ما اقتنعت، وأسْلمتُ نفسي للوقوع خانعة؛ رغم يدك الممدودة نحوي مُذ عرفتك. كانت الحكاية أبسط مما أتوقع، أبسط من كل التعقيدات التي وضعتها أمامي، بعد خيباتٍ غير قليلة، ومَوتَين. كانت الأحداث –رغم ارتباك بدايتها– سلِسة أكثر مما تخيّلتُ، تسير بتؤدة شيخ متمرّس، اندفاعات مراهق أرعن، وصدق طفلٍ لم تخدشه أكاذيب الحياة؛ لتكون في النهاية عنفوان رجلٍ سبقني إلى الحياة بثمانِ سنين

كل ما في الأمر أنني احتجت إلى شيء واحد –كما كان يقول لي– أن أقبَل، أن أرضى بما تمنحني إياه الحياة من فرح.. ولا أسأله وأقدارنا: لمَ أنا. لا نكلّف أنفسنا مهمة تحديد الوقت الملائم أن يرى طفلنا –الذي اخترناه قبل أن يأتِ– والديه يتناقشان أي اللغات عليه تعلّمها وأي الموسيقى يحترف.

تعلم يا عزيزي ما الجميل هنا؟ أننا مختلفان جداً، لا أذكر أنه جمعتنا أمور تتعدى أصابعنا المتشابكة معاً.. ومازلنا متّفقان. هدوئي وشقاواته، خوفي واعتداده، سهَوي وحرصِه، كتُبي وأفلامه، حيواناتنا التي لا تتعايش معاً، سهَري ونومِه المبكر، قنوات الأخبار التي أدمنها ويكرهها، موسيقايَ التي تُنعِسُه وموسيقاه التي توتّرني.. كثيرة هي اختلافاتنا التي تجمعنا بأعجوبة، وتمضي.

بي نوبة سعادة، فرطُ حب فيما تنام يدي في يد رجلٍ يستاء من نومي العابث، لا يكفّ يخبرني أن القهوة تمنعني نوماً هانئاً، ولا يعلم أنني كلما اشتقته احتسَيْتُ فنجاناً. بي نوبة سعادة وأنا أراقب رجُلي ببحّة صوته كل صباحٍ وهو يسألني عن قهوته بوجهٍ ناعسٍ مبتسم، شارة بدء اليوم لأن ننفض النوم جانباً. نتلذذ قهوتنا وأضحك، تتعلّق عيناه بي، يحدّق مغتبطاً في عينيّ، أُحرجُ و أضع يدي على فمي، يُبعِدها و يردّد: وجهُكِ هكذا أجمل.. حين تضحكين.

بي نوبة سعادة تضعني في طريق متشارك برجلٍ كلما تشاجرنا وملأنا الدنيا ضجيجاً، نظَر في عينيّ مبتسماً، يقبّل رأسي، يشدّني إليه.. وننسى. بي نوبة سعادة ينفثُها من روحه، رجلٌ لم أخطط يوماً ألتقيه، لم أعرفه من قبل، لم أعلم أننا سنلتقي مراتٍ متتالية بعد لقائنا الأول في أعلى مكانٍ في المدينة.

أؤكد لك يا عزيزي أنه يمكنني الآن طمأنَتَك بما يكفي، أنّ قلبي هذه المرة يسير بابتهاجٍ متجدّد، وروحي تطير كل يومٍ نحو ما أريد. يمكنني الآن أن أخبرك بشفائي؛ ليس على يديه، بل أنت. كان من الخطأ أنني كنت أدخل باب حبٍ جديد قبل أن أغلِق ما قبله، قبل أن أُشفى من وجعٍ سابق. والآن؛ أمنح نفسي وإياه فرصة الالتقاء بلا رواسب تشدّنا إلى عثرة سابقة.

أقِف بعد كل ذاك أراقِبُنا، نُعِدّ الطعام معاً، على المسافة البعيدة التي تفصلنا، من مطبخين مختلفين، قائمة طعامٍ مختلفة، ونأكل على طاولتين. بيننا هاتف صغير يصوّر كل شيء لنا، ينقله حياً.. كأننا في مكان واحد معاً. في المساء؛ نتّفق أن نخرج إلى ذات الأماكن التي جمعتنا سابقاً. يختار لي ما يروق له، ذلك الفستان الأسود الذي يجعلني أميرته. أنتقي له قميصاً يستثيرني برجولته ويستحثّني للسير إلى جانبه مرة أخرى. ونمضي.. لمكانين مختلفين، بقلبٍ واحد. في الصباح؛ أبتسم لذلك الرجل الذي يكسر حاجز المسافات باحترافية. يحيط بي من حيث لا أدري..

وأتذكر: نحن ببساطة لا نحب مَن نحب لأنهم “هُم” فقط، نحن نحبّهم لأننا نكون نحن على حقيقتنا معهم.

ما يحدث الآن؛ أنني أسمع غزَلاً إسبانياً وسط الأغنيات التي نترجمها لبَعضَيْنا. كلماتنا المتقاطعة في اللغتين حيث قضينا ذات ليلة نعددها، و te extraño التي يوشوشها كلما باعدت بيننا مسافة.

Advertisements

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s