عزيزي أمبيرتو (الرسالة السابعة قبل الأخيرة)

عزيزي أمبيرتو..

لا أتذكر أنني قد بعثتُ لك –قبل اليوم– رسالة ليلة ميلادي مُذ اعتدنا الكتابة الهادئة وسط هذا العالم المستعجل. لا أخفيكَ أنني أردتُ الكتابة إليك عدة مرّات، إلا أنني أرجئ الأمر لوقتٍ آخر لتتكدّس الأحداث لعلّي أجِد في أحدها ما يستحِقّ الحديث عنه، كالتغيّرات الهائلة التي عشتُها معك في رسالتك الأخيرة.

“عندما نقرر أن نعيش، فنحن نقرر أن نشيخ. نحن نفعل ذلك من أجل أن نبقى على الأرض مدة أطول، فلا أحد يضمن شكل الحياة في السماء” بثينة العيسى

صدقاً؟ يُحيّرني هدوؤك وأنت تنظر للأربعين بعينٍ مُسالِمة هذا العام. لا تتعجّل أيامك ولا تنوي أن تعرف كيف سيكون حالك آخر العمر. عاداتكَ لم تتغيّر؛ مازلت تبدأ يومك في الرابعة والنصف فجراً، تهرول خارجاً و تستحثّ الدماء لأن تُضخّ في قلبك. قهوة السادسة صباحاً –التي استحدثناها حين التقينا– وإفطارك الفاخر قبل الانخراط في الحياة الخارجية. أيام الآحاد –حين تُصادف إجازتك– التي تقضي نصف نهاراتها على ضفّة النهر كواجبٍ أسبوعي منذ خمسة عشر عاماً. أتعجّب من تمسّكك بكل هذا رغم كثرة المدن التي تمتطي سماءاتها كل يوم، تحدّق فيها بكبريائك من عُلٍ، حيث مقطورة الطائرة، ثم لا تُغادِرها قبل أن تزور مكاناً لم تعتده، حتى وإن كان حانوتاً في شارعٍ مهجور. سألتك ليلة ميلادك عن أي تغيّرٍ داخلي رأيتَه، عن أي تغيّر تريد إحداثه في نفسك الليلة وما بعدها. نظَرت عن يمينكَ حيث الكلبين والقطة، على خجل؛ قلتَ “حان الوقت لوجود إنسيٍّ صغير!”. وضحكتُ فرحة لأجلك!

حسناً يا “أمبيرتو”، كيف هي أسبانيا الآن؟ مدريد التي مكثتَ فيها فترة أطول من المعتاد، كيف كانت معك؟ مرسية التي سرقتك مني آخر الأمر؛ كيف رأيتها؟ حاناتها، شوارعها، أسواقها، مزاراتها وحدائقها.. راقت لك هذه المرّة؟ كنت ككل وقتٍ من هذا العام تشكو من صيفها و شمسها التي تلوّن بشرتك أكثر من اللازم، وكأنك تنسى شمس مدينتي وطقسها الذي لا يتغيّر طِوال العام.

“تحدّق إلى وجهك في المرآة: لا جديد سوى ارتفاع السخرية إلى الحاجبين. لا عدوّ أقوى من الزمن، ولا خصم لك أنبل من المرآة” محمود درويش

 دعني أخبرك سراً – غير مهم ربما–  يا صديقي؛ إنني قلِقة على الصغيرة –في عين أمي–  وهي تكبر للأسفل، تكبُر للتقوّس على ذاتها أكثر فأكثر خوفاً على نفسها من كسْرٍ جديد. قلِقة على الأنثى التي أراها في انعكاسة المرآة، أقلّب في ملامحها، وأدسّ في طيّاتها أطناناً من الضحكات المخبّأة كيلا تغزوها تجاعيد العمر القادم. قلِقة على الأنثى التي قررت فجأة أنه مضى من عمرها الكثير وهي تتألّم، فأصبحَت توجِع غيرها ولا تُبالي. قلِقة على الأنثى التي لا تكتفي بما لديها، لا يُشبِعها ما عمِلت، وتكتفي ببهجة قصيرة المدى عقِب كل إنجاز.

تريد الحقيقة؟ قلِقة على الأنثى الأكثر تهوّراً وانعتاقاً من أخوتها، غدَت أكثر جموحاً مما كانت، وتوَشوِش لي بين حين وآخر عن رغبتها في ارتكاب حماقاتٍ كانت تظنّها مستحيلة، كتسلّق جبلٍ ثم القفز المظلّي مثلاً.. تصوّر! ثم في لحظات هدوءها تُخبِرني أنني سأعيش الهدوء والرتابة التي أرغب فيها. تُعزّز في ذهني فكرة اقتناء ذلك البيت الريفي الذي حدّثتكَ عنه ولم توافقني أنت حين ظننتَ أنه مازال مبكّراً عليّ الانزواء في مدينة أخرى صغيرة لا أجد فيها ناطحات سحب. تلك الانعكاسة تبعثُ لي ابتسامات تُطمئنُني أن كلّ شيء سيكون على ما يُرام، كما يفعل “فيلكس” كلما زاد خوفي عن المعقول و غدَوْتُ درامية أكثر. تربّت بين حينٍ و آخر على كتفي وتقول لي أننا سنستمتع بالحادية والثلاثين شريطة أن أستغني عن أمنيتي تلك، ولا أعِدُها بما تريد.

“هذه الفكرة، على الأخص، هي التي تسبب لي الكآبة. أن أصبح رجلاً بلا ماضٍ، بلا ذكريات، بلا أمس. تصوّري! أن ينسى الإنسان ابتسامة أمه المضيئة، أن ينسى ملامح أبيه الرضيّة، أن ينسى كل صديق عرفه،…” غازي القصيبي

 الليلة؛ أترقّب الحادية والثلاثين بقلقٍ وشغفٍ معاً. على عكسك كالعادة؛ عشْتُ في السنوات العشر الأخيرة مني على الطريقة التي تريد أن تعيشها أنت في سنواتك العشر القادمة، وربما أكثر. يُزعجني أنّ العمر يمتدُّ يوماً تِلْوَ الآخر يا عزيزي. أظنّك تفهم قصدي حين أخبرك كم يُفزِعني أنني أكبر. نعم، يُفزعني! أخاف أن أصحو يوماً فجأة –أو بشكل تدريجي–  دون أن أتذكّرك ورِفاقي الآخرين. كيف ستكون الحياة بدونكم؟ يُخيفني الزهايمر أكثر من تجاعيد العمر، فكرة أن أصبح مثل “Allie” أو “يعقوب العريان”. تصوّر أن أجد نفسي دون ذكريات وأنا التي عِشتُ – و مازلت–  أقتات على ماضيّ. تخيّل أن يغدو في ذهني الرجل الذي أحبّه شخصاً غريباً عني، تُراه سيتقبّل الأمر؟ الأمر مختلفٌ إذن! حياتي الصاخبة منذ البدء، تبدو الآن كقطعة حلوى معجونة تتهيّأ للنضج على نارٍ هادئة كي تتماسَك. وحياتك الهادئة جداً تريد تزويدها بشعلة توقِظها وتنثر فيها صخباً يناسبها.

الليلة، وحين تصِلك رسالتي؛ صلِّ لي، أو حين تكون في السماء حيث أنتَ أقرب للآلهة. صلِّ للأنثى المتعجرفة حيناً، والمتعجّلة دائماً أن تهدأ.. وتكبر!

 

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s