عزيزي أمبيرتو (الرسالة الثامنة قبل الأخيرة)

عزيزي أمبيرتو

 مرّ عامان مُذ بدأنا رسائلنا هذه، عامين من شكاواي المتكررة و رحابة صدرك. آثرت أن تتأخر رسالتي هذا العام لتقرأها بتمهّل أكثر، و لأمنح نفسي وقتاً آخر وسط زحام نهايات العام.

 دعني أسألك قبل كل شيء؛ كيف كان العدّ التنازلي وأنت تراقبه من عُلّ؟ أحسدك يا صديقي وأنت تراقب حدثاً كهذا يتكرر حسب خطوط الطول، أن ترى شعوب الأرض ترقص فرحاً في بقعٍ متفرقة كحدثٍ عالمي. يمكنني القول أنني لم أشاهدهم مثلك، لكنني كنت أراقب من شبّاك بيتنا العالي، تصلني أصوات المفرقعات من معظم أجزاء المدينة، وعلى امتدادها أراها تتطاير في السماء. قبل سنة؛ كنت هناك، وسط الزحام في إحدى زواياها، كنا نراقب صامتين ارتفاع المفرقعة تشقّ طريقها في الهواء.. ثم نصرخ – بعبث الكبار–  معها حين تتناثر في الأعلى.

ماذا حدث في عام يا “أمبيرتو”؟ كثير! أكثر بكثير مما اعتدته، وأكثر مما أتحمّله، حتى الذين التقيتُهم كانوا أكثر مما أتخيّل. كنت – ومازلت– أؤمن أن كلّ غريب تجمعني به طاولة قهوة سيزيد في حياتي شيئاً، أحدهم قد يُحدِث شرخة في طرفٍ ما، وآخر – دون أن يعلم–  قد يرتق ذاك الشرخ. تعلم ما الجميل في هذا كلّه؟ أنني أمارس هواية أخرى مع الغرباء؛ أقرأ وجوههم، طاولة القهوة تلك تحدد إن كنت سألتقي مَن أمامي مرة أخرى أم لا. عرفت كثيرين، وفقدّت أكثر. كنت أخاف بين كل فقد وآخر أن أفقِد ذاتي معهم، لكنني كنت أنجو – بطريقة ما–  من ذلك. أولئك الذين يغادروننا أو نغادرهم بحزم لا يسرقون منا شيئاً، عكس المتوغّلين فينا لزمنٍ ثم يرحلون.

فبراير كان أشدّهم رعونة، امتلأ أحداثاً أشغلتني لشهور أخرى بعده. في بدايته؛ هزّني أن انتزعوا صديقاً صغيراً من أحضان أمه، ومن جلسات أصدقائه.. إلى اليوم!. على مرأى من عيني؛ أخذوه رغم كل الاحتياطات التي وضعناها، و الدعوات التي بثثناها في جيبه. أجلسوه وحيداً، و تركوا لنا مهمّة تجرّع الخيبات و مراقبة ما يحدث عن بُعد.

أخبرني أنت يا عزيزي، كيف كان عامُك؟ يُمكنني التنبّؤ بضخامة أحداثه و تشكلها معك، من اللحظة التي قرأت فيها أنك حزمت حقيبتك لتبدأ التجوال. لي أن أتخيّلك رحّالة آتٍ من زمنٍ سابق، بيدك كَوْمة ورق تدسّ فيها ليلاً كل حدثٍ نهاريّ. رسائلك الأخيرة كانت أكثر دفئاً وحناناً، حتى صوتك المنساب بين الكلمات غدا أكثر حيوية، سعادتك وأنت تحكي مغامرات النوم على ضفّة نهر بعد ضياعك في غابة نائية. حدود، مدنٌ وبلاد تتخطاها يوماً تِلْو آخر، أراها بعينيك وفي البطاقات التي تبعثها من كل مكان تزوره. بين سطرٍ وآخر؛ شهقة تصدُر من الأنثى الوحيدة التي تقرؤك، تصفّق لك بحرارة لجنونك وحماستك، فيما هي من أعماقها تصلّي ألا يمسسك سوء.

تعلم ياصديقي، لست قلِقة بالحدّ الذي أبدو عليه غالباً. مُذ قلتَ لي أن الأمور تتشكّل حسب حجم تفكيرنا بها؛ صرت أتشاغل عن أكثر الأمور المزعجة، اممم شيء ما أشبه بالحصانة تجاه الأحداث، أو شيء من البرود. حتى تلك الشهور التي مكثت فيها بلا عمل كانت تمرّ سلِسة، بغضَ النظر عن جانب التملل بالطبع!. العام السابق المليء بأحداثه وبشَرِه أخرج أنثى أكثر صلابة و عناداً. في فترة منه؛ منحني رجلاً كان لقائي به أكثر الأمور السعيدة التي حملتها معي حتى اليوم. ومُذ باركتَه؛ أصبح الرجل الذي يسير إلى جواري حين أعبث بأيامي، وأمامي حين لا نعلم ما تخبّئ لنا الأيام. يوشْوِش لي كل ليلة ألا أقلق، وأنّ أي خللٍ يمكننا تخطّيه معاً.. بطريقة ما!

 

 

 

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s