عزيزي أمبيرتو (الرسالة التاسعة قبل الأخيرة)

”كيف أنتِ“

يسألها في المكالمات القصيرة المتعجلة بينها، تلك الأحاديث الساذجة التي تسرق دقائقها منه وسط انشغاله الذي لا ينتهي. وتجيب ”ماشي الحال”.

كم من المرات سألتك يا عزيزي عنك؟ كيف كانت الحياة معك؟ كيف كان يومك؟ لا أذكر. أنت أيضاً لم تسألني قط هذا النوع من الأسئلة، وإن سألناها لا ننتظر إجابة عادية. ندرك كلانا أننا جيّدين وأنّ الأمور على ما يرام في كل الأحوال. علّمتني في رسائلك أن أتخطى مرحلة السؤال المتكرر ”أكلت؟“ من الطبيعي أن آكل وأنام وأتنفس، ومن الطبيعي أن تسير الأمور – ولو بعد حين–  على ما يرام.

منك؛ تعلّمتُ أن أبدأ الحديث في أي شيء دون مقدمات؛ رسائلنا المتلاحقة، القصاصات المرفقة بالرسالة الأصلية، والأسهم التي تطلع وتنزل في صفحة الورقة، ثم أتكاسل عن إعادة كتابتها حتى لا أضيف المزيد. تصلك رسائلي أشبه بخريطة لكنز، ووحدك مٓن يعرف قراءتها. حكايات تتتالى خلف بعضها، وأقفز من موقف / قصة لأخرى حتى لا أنسى. وأنت تعرف جيداً كم يؤذيني أن أنسى شيئاً / اسماً مهما قلّت أهمّيته.

تعلم يا “أمبيرتو” عن عدد المرات التي اكتشفت فيها كم هي الحياة سلسلة من المجاملات؟ تتعبني المجاملات يا رفيقي. الكثير من أولئك الذين ألتقيهم لأول مرة يضعون في أكفّهم كميات هائلة من المجاملات حين يصافحون، وجوههم سلسلة أخرى من مساحيق أعلم أنها ستغسل بماء السماء يوماً. وحدهم الذين يعرفون عُمْق قلبي يحتضنوني كلما التقينا، ويمنحوني دفأهم.

كنت أحدّث صديقي الكتالوني “Jean” عن المواقف العجيبة التي تضعنا فيها الحياة، هي في الأغلب أشياء مرّت به في حياته مسبقاً. يأخذني على محمل الجدّية في كل ما أقوله له، رغم فارق السنوات التي تزيد في رصيده عني. سألني عدداً من المرات ”هل أنت سعيدة؟“ على الرغم من أنني لم أشكوه شيئاً حقيقياً من قبل. إنه يشبهك يا “أمبيرتو”؛ يعلم –كما أنت– حين كنت أحكيه عن خيبة وأضحك إن كنتُ شُفيت منها بعد أم لا. وحدكما مٓن عنّفاني حين عرفتما بتنازلاتي و تغاضيّ عن أمور بسيطة من أجل الرجل الذي أحب. تلك الليلة؛ هاتفت “Jean” في وقت متأخر جداً لأخبره كم أنا خائفة. سألني إن كنت في مكان غريب. لكن خوفي كان يسبق الخطوة / القرار الأخطر في الحياة لديه. كابنة العشرين؛ سألته كيف لي أن أعلم إن كان هذا الرجل هو الأنسب لي. تعلم ما أخبرني؟ ”إنّك بسؤالك تجيبين على نفسك. إن كنتِ واثقة من خيارك لما سألتِني“. إنه يفلسف الأمور ببساطة متناهية و يقدّمها لي بحبّ.

تخيّل، أصبحت أصنع قهوتي بنفسي هذه الأيام! نسيت تماماً حقن جسمي بكميات من الكافيين المصنّع والمعبّأ في أكياس تجارية. فهمتُ معنى أن ”تصنع القهوة بحب“ لأنني حين أشربها أعلم الوقت الذي أخذته تلك الحبوب الصغيرة لتصلني من تركيا، الأردن، ڤيتنام، وإندونيسيا. وقفت عدة مرات في المطحنة أراقب العامل يختار عدة أصناف ودرجات من التحميص قبل أن يعبّئها ويناولني إياها بابتسامة هادئة اعتاد رسمها في وجه مرتادي المكان. كثير من الأشخاص يضحكون عندما يعلمون أنني حين أنوي شرب كوب من القهوة فهذا يعني أمراً جاداً. اعتادوا أن يختصروا كوبهم في اختيار نوعٍ من المشروبات المعروضة في الجدار الذي أمامهم، وحين يأتي دوري، يسمعون قائمة من الطلبات التي أريد أن تكون عليها قهوتي. في النهاية؛ القهوة أمر مصيري..

قبل أيام؛ ذهبت في رحلة قصيرة جداً إلى ڤيتنام، لم أتعدّ الفندق الذي كنت فيه و المكان المحيط به. المدينة مزدحمة، وأنا يربكني الحشد الكثير. هذه المرة؛ كانت تخيفني فكرة أن لا أجد أصدقائي وأضطر إما المكوث وحدي في بلدٍ غريبة أو العودة لكوالالمبور. موظف الجوازات لم ينطق حرفاً رغم تحية المساء التي ألقيتها عليه، لا يهم، كلّ موظّفي الجوازات هكذا. بعد أن أخذت حقيبتي توجّهت إلى الخارج أبحث عن السائق الذي أخبروني أنه يحمل اسمي على لوحة صغيرة. هاه! أخيراً شخص ما يبتسم في هذه البلاد! حمل حقيبتي دون أن يسألني إلى أين. لم يتحدث أبداً طوال الوقت في الحقيقة، تركني أكتشف المدينة على هواي. شوارع صغيرة معبّدة و طرق مزدحمة كأغلب المدن التجارية في العالم. على الطريق؛ وجدت لوحات لشركات وبنك ماليزي؛ ابتسمتُ في داخلي كمٓن وجدت شيئاً من الأمان هنا.

دعني أخبرك شيئاً؛ أنا لستُ متعبة. قد أكون مرهقة ذهنياً، لكنني سعيدة للحدّ الذي تمنّيت فيه أن أغادر الحياة في إحدى الليالي، حين شعرت أنني بلغتُ من السعادة منتهاها، ولن أُعاتبه إن أخذني إليه. ممتلئة حتى أقصاي بما يشفع لي رغبتي في الصعود. كنت ليلتها في طريقي إلى إحدى المناسبات التي رتّبتُ لها كثيراً؛ كنت أضحك وأقفز متناسية أن هناك مٓن قد يراني، نسيت أنّ عليّ التصرف كسيدة بالغة كلما كنت خارج البيت. كأبسط ما يكون؛ كنت أنا.

قبل أن أكتب إليك الآن؛ كنت أسأل نفسي كم عدد الأشخاص الذين التقيتهم، كم عدد الذين رحلوا، كم عدد الذين غادروا، كم عدد الذين طردّتهم من دائرتي…. كثير. ومهما اختلفت الشخوص ياعزيزي تبقى أنت على مقربة مني. تدرك في دواخلك كمية الأمور التافهة التي أقضي بها وقتي؛ حسناً هي ليست تافهة لهذا الحدّ، لكنها كذلك بالنسبة إليه. حياته التي تدور حول جلسات العمل والتخطيط لمشاريع تجارية وضعت قراءتي للراوايات وممارسة اليوقا في قائمة ”رايقة انتِ!“. لتكون الإجابة التي يكرهها ”الحياة أقصر من أنهيها في توتر دائم“. ينكفئ كلانا فيما يشغله لاحقاً ويعتذر، يبرر جملته وانشغاله بأنّ هذا في نهاية الأمر لنا.. وأعذره. لأن الحياة أتفه من أن أعاتِب الرجل الذي أحب. ولأن الحياة أجمل حين تفاجئني رسالته حال وصولي لكوالالمبور ”تعلمين مَن أحب؟ أنتِ“.

”وإني أحبّك“. همٓست بها حين احتضنته قبل أن تغادر. قالتهاو هي تدسّ في جيبه بعضاً من حنين لذلك الرجل الذي لا تلتقيه إلا مصادفة، رغم ما بينهما.

 

 

 

 

Advertisements

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s