عزيزي أمبيرتو (الرسالة العاشرة قبل الأخيرة)

عزيزي أمبيرتو،

دعني أسألك ككل مرة نتحدّث فيها في الآونة الأخيرة؛ كيف هي الحياة الآن؟

سألني صديق عزيز منذ مدة، “كيف كانت إجازة الأسبوع؟” أتذكر أنني تذمرت بطريقة ما، كان ردّي عليه “عجيبة. طفلين ثرثارين، وقطة لا تكفّ عن المواء، ورجل مستاء”.

كتبتها له كنكتة، ككل المرات التي أضحك فيها على مسار الحياة مؤخراً والتي اتخذت شكلاً لم أخطط له، وعلى الطريقة التي تسير بها بعد فقداني السيطرة بعض الأمور. الصديق ذاته أخبرني مراتٍ ومراتٍ أن أتخلّى إحكام السيطرة على الصغيرين حتى لا تسوء الأمور بيني وبينهما في هذه المرحلة العمرية. هذين الطفلين اللذين كبُرا، وأصبحا قادرين على مناقشتي وأنتوني فيما لا يحبّذان، وأصبحت قوانين المنزل قابلة للمراجعة، لأنني ببساطة قلب الأم لا أستطيع رؤيتهما متذمرين. يُضحكني تذكر سبب كتابة الرسالة السابقة فيما أكتب لك الآن، صباح الإثنين، بعد أن غادر الصغيرين إلى مدارسهم، وهو إلى مكتبه وقد خلا البيت عليّ والقطة. أتذكر باولو كويلو حين يقول: “The simplest things in life are the most extraordinary”، ربما حياتنا بكل مافيها الآن هي تلك البساطة التي يتكلّم عنها. 

في رحلتي الأخيرة إلى أستراليا، كانت الحياة مختلِفة، أو اتخذت قالباً مختلفاً. كانت -وكنا- أكثر هدوءاً، يتماشى الأمر مع الهدوء العام الذي يظلل القرية التي كنا فيها. كانت الأيام أطول، ربما لأنني لم أكن أفعل أمراً آخر سوى القراءة والمشي في آخر ساعة من اليوم. على هذا، كنت أنجِز الكثير، ربما لأن النهار هناك أطول بالفعل، فقد كنا قادرين على إنهاء بعض الأعمال أو أن نقضي ساعات في قرىً أخرى ونعود قبل أن يعمّ الظلام في الثامنة مساءً. هدوء المنطقة كان له أثر جيّد عليّ، على الرغم من صعوبته في بادئ الأيام، كنت أخبر أنتوني “أشعر أنني صمّاء. الهدوء مطبِق هنا”، وكنا نتحدث بصوتٍ خفيض أغلب الأحيان حتى لا نشعر بأننا نصرخ. تذكر؟ أخبرتكَ ذات يوم حين ظننتُني أصِبت بالربو مرة أخرى، وكان الموضوع في مجملِه أنّ الهدوء مكّنني من سماع صوت تنفّسي. هنا في كوالالمبور، نستطيع سماع محرّك السيارات والدراجات النارية على بعد أمتارٍ من شقتنا، رغم علوّها. كان الأمر غائباً عن ظني حين قررنا السكن فيها، أن يطلّ البيت على نهاية طريق سريع وشارع رئيسي ليس بالأمر الجيّد أبداً. 

تذكر يا صديقي حين كنا نتناقش عن “معنى الحياة”؟ عما إذا كان من المُجدِ لنا وضع هدف للحياة، لحياتنا، كأفراد. سألتني ذلك عدة مرات، وسألتُ نفسي في السنوات الأخيرة حين أحتفِل بيوم ميلادي. تعجّبت أكثر عن “معنى الحياة” حين مكثنا حوالي أسبوعين في Belayney، مع Mellie التي تبلغ الثالثة والثمانين. تساءلت عن “معنى الحياة” لديها بعد كل هذا العمر، رغم إرهاقها ومرضها الذي يتطلّب تذكّر الدواء دائماً. هل يصبِح للحياة أي معنى حين تخفو ذاكرتك ببطء في السنوات العشر الأخيرة من العمر؟ أو حين يغدو المشي بدون عكّاز أمراً صعباً؟ كيف يكون للحياة معنىً حين تنسى في إحدى الأيام كيف يعمل المايكرويف، أو تنسى إغلاق غطاء غلاية الماء ثم تضغط زر التشغيل. ماهو معنى الحياة حين تصحو فزِعاً في يومٍ ما، ولا تتذكر ماهو اليوم، ما التاريخ، وما الذي يحدث أساساً، ثم تحتاج أن تسير بين غرف البيت حتى تعرف مَن الموجودين، وربما مَن هم. صدّقني، إنه ليس بشعور جيّد أبداً. أتساءل؛ لأنني أراها كل يوم تصحو سعيدة كل صباح، تعدّ مائدة الإفطار ريثما تشرب الشاي، ثم تقضي معظم يومها أمام التلفاز، أو بعض النقاشات الصغيرة معنا والزوار. تسألني تلك العجوز بين الفينة والأخرى عمّا إذا كنت بحالٍ جيدة، وهل نِمتُ جيداً، وما إذا كنت في حاجة إلى أمرٍ ما لتعدّه لي. وفي عشاء العائلة؛ حين تحلّقنا حول الطعام، رأيتها تضحك على قصصنا وعلى تعليقات Mark، تهزّ رأسها غير راضية أو متمللة من حكاياتنا عن حيواناتنا بدلاً من أطفالنا. أفهم حينها رسالتها، بأن الحياة -رغم ما هي عليه- يجب أن تستمر.

عزيزي أمبيرتو،

هنا معنىً آخر للحياة. أعود إليه من وقتٍ لآخر. وهناك معنىً آخر، أدركته حين أخبرني صديقي، أن هذه هي الحياة، بالطفلين الثرثارين، والقطة التي لا تكفّ عن المواء، والرجل المستاء. هذه هي الحياة، لأن لا شيء فيها يدوم على ماهو عليه. وعليها فقط أن تسير. 

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s