أن تعيش متخففاً

كتحدٍّ جديد أردتُ تجربته هذا العام، ضمن قائمة “أشياء أريد فِعلها قبل الخامسة والثلاثين”، حيث تنطوي هذه التجربة على الإقامة في كوخ “hut” على إحدى شواطئ جزيرة لنكاوي. كان قراراً جنونياً بما فيه الكفاية، خاصة وأنني أخاف من الحشرات والحيوانات الصغيرة، ويزعجني مجرد رؤيتها في خارج زجاج البلكونة. كنت أواسي نفسي بأنه ليس من السهل أن تعود إلى طبيعتك كإنسان بعد أن دمّرتك المدينة على أية حال. 

 

  • لماذا لنكاوي؟ 

لأنها الجزيرة الوحيدة التي زرتها أكثر من مرة فلن أتوه في منعطفاتها، ولأنها الجزيرة الأقرب إلى قلبي، ولاعتقادي بأنها الأكثر أماناً. زرتها مع والدتي في سن الحادية عشر، ثم مرات ومرات على فترات متعددة خلال السنوات الست عشرة التي قضيتها هنا. كل زيارة/رحلة تعرّفني بموقع أو مكان ما جديد أكتشفه فيها؛ سوق، مطعم، غابة، شاطئ، أناس… وأردت هذه المرة أن أبتعد عن Cenang أكثر شواطئها زحاماً بالسواح، فاخترت منتجعاً سياحياً غير معروف للكثير، يقع على امتداد شاطئ Pasir Panjang في جزيرة Tuba، على مسافة 100 دقائق على قارب سريع.  

  • لماذا الكوخ؟

لاعتقادي بأنّ كلاً منا في حاجة إلى عملية تنظيف/تطهير/detox مما نعتقد أنه مؤذٍ، ولأن العيش متخففاً من كل ما نظنّه مهماً في حياتنا، أو ما نعتقده أساسياً لتسهيل حياتنا أصبح -في الحقيقة- عِبئاً نحمِله على عاتقنا كل يوم. ثم، وهو الأهم؛ لأن الحياة المدنيّة أرهقتني بما فيه الكفاية. فحتى أتمكن من النوم أصبح لزاماً علي الاستماع إلى كتاب وتغطية عيني بـsleeping mask حتى أشعر بالعتمة الحقيقية.

بيتنا في كوالالمبور على ارتفاع 18 طابقاً، ويطل على أهم شوارعها وطريق سريع. يمكنني مراقبة الطرق والجسور التي يطل عليها البيت لمعرفة حال الزحام، ويمكنني كل يوم تقريباً التنبؤ بالوقت المناسب للخروج من البيت حتى لا نعلق في زحام مروري. صحيح؛ من صالة البيت يمكنني رؤية برجي KLCC أو برج كوالالمبور، ويمكننا أيضاً رؤية الألعاب النارية في ليلة رأس السنة أو يوم الاستقلال. لكننا كل يوم ننام ونصحو على أصوات محركات السيارات والدراجات النارية. هذه الحياة المرهِقة أثّرت كثيراً على نومي بشكل كبير، فلا نوم مستمرّ لثمان ساعات، ناهيك عن الاستيقاظ كل يوم في الرابعة والنصف حتى الخامسة والنصف. أصبحت مرهقة دماغياً، وأثّر كثيراً على تركيزي في العمل وقراءاتي، أصبحت أملّ أو أنتقِل عبر الصفحات أو أجهزة القراءة والمشاهدة دون أن أتذكر معلومة واحدة أو اسماً. 

  •  المكان..
  1. كانت المدة 3 ليالٍ و 4 أيام. كافية باعتقادي للتركيز وشحن الذاكرة، وإنهاء كتابٍ واحد على الأقل. 

  2. لأنها رحلة غير مرتّب لها من قبل، لم أؤكد الحجز إلا خلال يومين من موعِد السفر. تذكرة السفر كانت أغلى من مجموع السكن ومصروفات الإقامة/الأكل. المواصلات البرية/التاكسي في لنكاوي من جهة أخرى أخذت حيزاً كبيراً، خاصة للتنقّل بين المطار إلى الميناء، أو الميناء إلى الشاطئ السياحي. 

  3. قِصر المدة والرغبة في التخفف ساعداني على تقليص ما سأحمِله. لم أحمِل معي إلا حقيبة ظهر واحدة جمعت فيها مقتنياتي كاملة (أدوات الحمام – ملابس النوم/السباحة/الذهاب والعودة – آيباد) 

  4. شاطئ Pasir Panjang خالٍ من أي أنواع الترفيه عدا قارب Canoe. هذا ما كنت أرغب به، بعيداً عن مؤجّري الدراجات النارية وألعاب الماء. مُلحق بالمنتجع مطبخ صغير تقوم عليه فتاتان، يقدم فيه الوجبات اليومية ومشروبات. قائمة طعام صغيرة وقصيرة جداً لكنها تكفي في مكانٍ كهذا. 

  5. لا انترنت. هذا كان طلبي الأول. هاتفي كان متصلاً بأقل قدر من الانترنت/3G، وأخبرت أنتوني أنني قد لا أرد على رسائله طِوال اليوم. شبكة الهاتف جيّدة على كل حال. 

  •  هل حدث وأن نمت إلى جانب البحر، فعلياً؟ 

كانت النقطة الأكثر تأثيراً في الرحلة؛ أنني نمت بعمق. لم يحدث هذا الأمر منذ عودتنا من أستراليا مطلع العام. وعلى الرغم منم قلقي تجاه التعوّد على السرير الجديد/المكان، ولربما ساعد صوت الأمواج على تهدئتي طِوال الليل.

أسلوب حياتي الذي تغير في السنة الماضية كان له أثر كبير على الاسترخاء خلال الأيام الثلاث. لا طعام بعد الثامنة مساءً، والنوم في العاشرة ليلاً (قد نتجاوزه في الاجازات الأسبوعية حتى الحادية عشر ليلاً). الاستيقاظ بلا ساعة منبّه. ساعتي البيولوجية والعمل اليومي عوّداني النوم في العاشرة ليلاً والاستيقاظ في السابعة صباحاً كل يوم (نعم. حتى الإجازات الأسبوعية).

  • جلسات التأمل:

استعنت بتطبيق Omvana للتمرّن على شيئين رئيسين: التنفّس، وتعزيز التركيز. وباعتبار أنني لا أملك وقتاً كافياً خلال الرحلة (3 ليالٍ) جعلتها جلسات مكثّفة، ساعتين يومياً، إحداها مع الشروق وأخرى مع الغروب.

صباحاً؛ يبدأ اليوم بوجه Princess الجميلة، التي تبادرني بابتسامة وهزّ ذيلها، هذه المخلوقة العجيبة استطاعت تحويلي من تلك الأيام من إنسانة غير صباحية إلى أخرى تقدّر الصباحات والشروق. بعد الدقائق التي نقضيها في اللعب، أخبرها أن علينا نجلس هادئين للتأمل. أطلبها أن تسترخِ -أو تدعني على الأقل أن أفعل- لتجلس إلى جانبي بهدوء. تمرين التنفّس يعمل على تنشيط الدم، إزالة التوتّر، والتفكير مليّاً في مجريات اليوم/الحياة. هذا الأمر منحني القدرة على بداية اليوم بدون قهوتي التي نسيت جلبها في الأساس، واستمرّ الأمر خلال الأيام الثلاث. 

يومي هناك مقسّم بين القراءة، الاسترخاء على الشاطئ، والجري مع Princess. كنت أقرأ على الآيباد بتركيز أكبر. قراءتي أصبحت بطيئة عما كنت سابقاً، لا يهم. المهم أنني كنت أقرأ دون أن أطِل بين سطر لآخر على صفحات فيسبوك أو تويتر أو حتى التحدث مع الأصدقاء. أنهيت مايقارب ثلثي الكتاب خلال ثلاثة أيام، وسأعود لاستكماله قريباً بالتأكيد.

مساءً؛ إلى جانب تمرين الـyoga الذي يبدأ في السادسة، كنت أستمع إلى تمارين التركيز. ينتهي كل شيء تقريباً في السابعة والنصف حين يكون العشاء جاهزاً. 

نهاية كل يوم -عادة- أتحسس ذلك الألم المستمرّ منذ عام أعلى الظهر، خلف كتفي. بدّلت عدداً من الوسائد لظنّي أنها السبب، ارتدتُ عدداً من أماكن المساج والاسترخاء في كوالالمبور، لكنّ أياً منها لم تُشفيني حقيقة. علياء؛ أخبرتني فيما بعد -خلال زيارتها كوالالمبور- أنه أمر حسّي/نفسي أكثر من كونه جسدياً. العجيب؟ أن هذا الألم اختفى تماماً طِوال إقامتي في لنكاوي. 

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s