عزيزي أمبيرتو (الرسالة الحادي عشرة قبل الأخيرة)

عزيزي أمبيرتو،

إنها الخامسة والثلاثين! هه

حسناً، قد لا تُبدي الكلمات الآن مدى الحماسة والخوف -معاً- الذي ارتبط في ذهني بهذا الرقم. تذكر؟ حين احتفلت معك بالثلاثين؛ كنت أقول لك، حين أبلغ الخامسة والثلاثين سيكون لديّ عملي الخاص، منزل مطلٍّ على الشاطئ أسكنه مع الصغيرين وكلب… لم يتحقق أي من ذاك!

إنها الدقيقة الأولى من عُمر الخامسة والثلاثين، ومازلت أعمل في شركة ما ألاحق بالكاد اجتماعاتها اليومية التي لا تنتهي، فيما أحاول كل يوم توجيه وسيطرة 4 موظفين صغار في العمر. لم أبْتَع بيتاً على الشاطئ بعد، ولم أجد الوقت الكافي لأحتضن كلباً حتى ولو هنا في كوالالمبور.

بدأت استقبال رسائل من جهات عدّة للاحتفال بهكذا مناسبة منذ بدأ أغسطس، أغلبهم بطبيعة الحال رسائل إعلانية. عروض للتخلص من الوزن الزائد، عروض للتخلص من التجاعيد، عروض لحل مشكلة تساقط الشعر… إنهم يعززون فكرة أن التقدّم بالعمر شيء غير مرغوب فيه.

سألتني عالية قبل عدة أيام عن سبب خوفي من الخامسة والثلاثين، أو قلقي منه على الأقل. عدّت لي قائمة الأشياء الجميلة التي أمتلكها أو المحيطة بي. إنها تنتظر مرحلة ما من العمر لتستمتع فيها أكثر، فيما يقلقني أن أصِل لها. كنت أفكّر في السؤال ذاته، وبالآخرين الذي يكررون على مسمعي دوماً (إنه مجرد رقم). وفي داخلي صوت صغير يصرخ: لا! ليس مجرّد رقم. إنه مربع بأكمله في صفحة الاستمارات الي نعبّئها يدوياً، و نقطة أخرى أعلى/أسفل القائمة المتحركة في صفحة الاستمارات الالكترونية. إنه شعرات رمادية تنمو سريعاً جداً كل دقيقة وثانية، أسرع من مثيلاتها السوداء، حتى قالها لي مجاهد ذات عشاء: “واااو ماما! هناك شعرات بيضاء كثيرة جداً على رأسك!”. نعم، إنها تطلّ بعنجهية كلما وقفت أمام المرآة لأصفف شعري، حتى توقفت عن تصفيف شعري مؤخراً. إنه تشكيلة معينة من الألوان والملابس التي قد لا تكون لائقة بعمر معين. إنه نظرة وتصوّرات عن نفسي وضعتها، والسؤال المكرر: كيف ترين نفسكِ بعد خمس سنوات. 

الأعجب؛ رسائل تهاني الأصدقاء لهذا اليوم منذ أسبوع، كنت أردّ عليهم: إنه طالع سيء أن يُهنّأ شخص ما بيوم ميلاده قبل أوانه، وِفقاً للمعتقدات الألمانية. ينظرون إليّ شزراً أو ربما -صدقاً- يضحكون على تعليقي ذاك خلال رسائلنا، ولا يدركون أنني أصدّق ذاك المعتقد. تماماً كأمورٍ أخرى حين وضعت قائمة بالأشياء التي أصدّقها، أو على الأقل أتخذها مرجعاً حين لا أجيد التصرّف. كأن أقرأ طالعي كل يوم صباحاً، فوراً بعد قراءة جدول اجتماعات اليوم، وقبل البدء بالردّ على الرسائل الالكترونية واتخاذ قراراتٍ ما. نعم. إنني بتلك الغرابة التي لم تكن تتخيلها. ربما ستهزّ رأسك الآن وتنفرج شفتاك على ابتسامة جانبية… كعادتك.

حسناً يا أمبيرتو، دعني آخذ الأمر أقل جدّية. ما الذي يعنيه أن تكون في الخامسة والثلاثين؟ ما الذي عرفته في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل؟

  • كلما تقدّم بي العمر، أدركت أنه لا يهمّ كثيراً أن يفهمني المحيطون بي. لم يعد يهمني تبرير اختياراتي وقراراتي وطريقة الحياة التي أعيشها، وإن كانت خاطئة.
  • في الأساس؛ ليس هناك قرارات خاطئة، كل القرارات التي نتخّذها تبدو جيدة حين اتخاذها. كل الذين أحببناهم في زمنٍ ما، أحببناهم لأننا كنا نراهم الأفضل حينها، أو أننا استسغناهم في مرحلة ما من العمر، أو أن مزاجاتنا التقت تلك اللحظة. ليس هناك أي خطأ. “الحياة لا تمنحنا دائماً أشخاصاً بمثل مقاييسنا“.
  • التعليم لا ينتهي، المعرفة لا تتوقف عند مرحلة أو شخص ما. نعم، تتكرر تلك المقولة كثيراً، لكنها الحقيقة. أن تكون إنساناً ذكياً يعني أن تتعلم من كل أحد، حتى أطفالك أو سائق التاكسي. كأن أتعلم الآن كيف أسوّق لعملي بالطريقة نفسها التي سار عليها مسوّقوا الأطعمة الـkosher.
  • أخبر نفسي هذا الأمر كل يوم: ليس هناك أي قوة تجبرك على عدم ارتداء لباس البحر ذو القطعتين وقتما تشائين، وأينما تشائين، وكيفما تشائين. ليس هناك أي نظرية تخبرك أنه ليس من اللائق بسيدة في عمرك أن تتشمّس أيام الآحاد، وأن تجعل بشرتها تبدو غامقة اللون كلما أرادت.
  • ليس عليّ فِهم كل شيء. وليس ضرورياً أن تكون لي الكلمة الأخيرة في كل شيء. هناك أمور من الأفضل لها أن تبقى غامضة، أو على الأقل لا أعرف عنها. هناك أمور لا يهمّ أن يكون لي رأي فيها أو يعلم الجميع ما الذي أفكّر به. هناك أمور يفضّل أن أحتفِظ بها لنفسي.
  • العمر أقصر من أن نزيد من حبات السكر في الشاي أو الملح على البطاطس المقلية. ليس هناك أسوأ من أن نغلف أطعمتنا بمحسّنات ليست ضرورية. ما الذي يضرّ كأس الشاي أن يكون مرّاً، أو البطاطس أن تكون أقل ملحاً، أو السمك دون أن يكون مغلّفاً ببهارات حارِقة للمعدة؟
  • بما أننا تحدثنا عن المحسّنات/المنكّهات؛ ليس من اللائق اقتحام سواد القهوة وإضافة الكريمة/الحليب/المبيّض إليها، والسكر كذلك. القهوة خُلِقت لتُشرَب سوداء كما هي. دون أمورٍ أخرى تفسِد قدسيّتها.
  • العلامات، والقوى، وردود الأفعال، كلها مرتبطة ببعضها، ولا يمكنك إغفال أي منها. الحياة وما فيها ليست خليطاً من المتغيرات غير المنسجمة. تذكر قانون نيوتن؟ “لكل قوة فعل قوة رد فعل، مساوية لها في المقدار ومعاكسة لها في الاتجاه، تعملان على نفس الخط وتؤثران على جسمين مختلفين”.
  • الوجوه، الأصدقاء، العائلة، واللحظات الجميلة. تلك الأمور التي تبقى طِوال العمر. أدركتُ أنه من الأفضل امتلاكها عِوضاً عن تكديس الكثير من الملابس والأشياء الأخرى. أو كما يقول مؤازر “صدقني تستطيع أن تعيش بدون حبيب، لكنك لن تستطيع مواجهة الحياة بدون صديق!”.
  • أن أبتاع شيئاً، يعني أن أصرف وقتي وعملي وجهدي خلال الشهر، الراتب الشهري ليس مجرد رقم أو كمية المال المودعة في الحساب، وما أصرفه على مشترياتي أو المشتريات التي أضعها في عربة التسوق -دون التفكير جيداً في أهميتها أو حاجتي إليها- تعني ساعات طويلة من الاجتماعات والخطط والاستراتيجيات التي أرّقتني لليالٍ عدة.

 عزيزي أمبيرتو،

يمكنني تخيل ما تفكّر به الآن “إنها تدور حول المِحور ذاته، وتسحق السنوات الماضية تحت قديمها”. ربما! دعني أعيد عليك السؤال الذي يجعلك تسقط ضحكاً كل سنة: لقد سبقتني إلى الحياة بعشر سنوات، فكيف بدت لك حين كنت في هذا العمر؟ كيف هي الحياة في الخامسة والثلاثين يا صديقي؟ حسناً، دعني أكون راديكيلية قليلاً، وأطلب من الحياة أن تتوقف هذه اللحظة، في الدقيقة الأولى من الخامسة والثلاثين. كما كنت أتمناها مع كل شمعة تُطفأ منذ الثلاثين. دون اعتراضات من طرفينا؛ أنا والحياة.

على طرفٍ ما؛ فتاة صغيرة بربطتي شعر وفستان أزرق بنقاط بيضاء كبيرة الحجم، تقف بابتسامة عريضة جِوار ابنة خالتها في صورة ما، التقطها خالي ذات ليلة. أخرى ذات خمس سنوات تقِف جِوار ابن خالتها ذي السنوات الثلاث ممسكاً ببطنه بشكل مضحك في حديقة “الرُدّف” العامة، أو منطقة خضراء كان الناس يخيمون فيها. ذات الفتاة؛ تبكي في ركنٍ قصي حين عرفت الموت بسنّ الحادي عشرة، أخبروها هكذا دون مقدّمات أنّ والدها قد مات. كبرت الصغيرة/الفتاة؛ لتصبِح أماً في الرابعة والعشرين، ومرة أخرى في السادسة والعشرين.

إنها في الخامسة والثلاثين اليوم، ما عادت ترتدي فساتين زرقاء، تضع ابتسامة أكثر هدوءاً كلما طُلِب منها أن تكون في صورة جماعية، وما عادت تبكي جهراً. ابنة خالتها أصبحت طبيبة عيون، وابن خالتها أصبح ربّ عائلة في بلدٍ ما. اقتضى الأمر أكثر من عشرين عاماً لتفهم لمَ مات والدها –بالذات– تلك الليلة، اثنين وعشرين عاماً لتُدرِك أن حياتها الآن ماهي إلا انعكاس لرجلٍ احتاج أن يغادر مبكّراً، يصعد سلّماً إلى السماء، يراقِبها من عُلٍ ويهديها بركاته. والصغيرين يا أمبيرتو؟ إنهما ضيّ روحها وكل أسباب حياتها.

أنظر إليها يا أمبيرتو كيف تبدو اليوم؛ أرادت الخامسة والثلاثين أن تكون أنيقة كما يجب، تراقب دقائق الشروق بهدوء على شاطئ ما لم تزره بعد، وسط هدوء يلفّ المكان. تتناسى جدول أعمالها الممتلئ هذه الأسابيع وزيارة الوزير المرتقبة، وموظفيها البطيئين في تأدية أعمالهم، تهزّ رأسها “ليذهب جدول الأعمال إلى الجحيم”.

خمسة وثلاثين عاماً، أجمل. 

فكرة واحدة على ”عزيزي أمبيرتو (الرسالة الحادي عشرة قبل الأخيرة)

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s