لعبة المغزل

قبل الشروع في قراءة الرواية الثالثة لحجّي جابر؛ ستحتاج إلى مشروبٍ جيد، مكان هادئ، وساعة في اليوم للقراءة حتى تستطيع تشرُّب كل كلمة في هذه الرواية. أو على الأقل هذا ما شعرت أنني أحتاجه. لعبة المِغزل ببساطة ليست للقراءة السريعة، ليست للقراءة أثناء الانتظار أمام عيادة الطبيب، أو في حضرة أطفال مزعجين أو كبارٍ يتناقشون عن أي شيء.

تذكّرت خلال قراءتي مقولة روبيرت إيفان “There are three sides to every story: your side, my side, and the truth”. ربما تكون هذه الرسالة التي أراد حجي جابر، أو ما تدور حوله الرواية. الحكاية ذاتها مرويّة من عدة أوجه، الفتاة، الطبيب، الجدّة، ثم السيد الرئيس.

“المسافة كائن مراوغ، يرتدي أقنعة كثيرة. نلعنه حين ينغرس بيننا وبين مانريد، لكننا نشتهي قدومه ليُريحنا من جرأة القرب ورهقه، وليمنح قلوبنا وعقولنا فرصة أن تختار دون أن يحكمها عطف أو خوف.”

“ما أسوأ أن نكون قريبين إلى هذا الحد ، دون أن نصل”

“كان الأمر يشبه كثيرًا الطريقة التي تسرد بها الجدة حكاياتها، ثمة براعة في الإمساك بجوانب القصة من كل اتجاه، بحيث لا تنفرط خيوط الحكاية حتى النهاية.”

“كلاهما اختار الهزيمة ، لكن بطعم مختلف”

“نحن نحكي عما نعرف، لكن إذا تعذر ذلك، فلنحكِ عن جهلنا به. احكي عمّا تحبين، عما تكرهين، احكي عما فعلت، فإذا لم يحدث، فاكتبي عن رغبتك في حدوثه. احكي عن الحياة التي عشتها، أو تلك التي تتمنين خوضها. احكي عن حضور الشيء أو غيابه. المهم ألا تتركي فضيلة الحكي.”

البدء من الجملة الأخيرة كانت فكرة ذكية جداً. حينما شارفتُ على الانتهاء من القراءة؛ عدت لأقرأ الصفحات الأولى. الربط بين الأحداث كان بديعاً بحيث تحتاج أن تقرأ بتأنٍّ لتعطي نفسك وخيالك مساحة كافية للسفر إلى موقع الأحداث، أن تتعمّق في خيال الكاتب. أن تتخيل الفتاة بالفستان الأصفر، وذلك العطر الجديد الذي اشترته دون تجربته. مشهد سقوطها بفعل الرصاصات المتطايرة نحوها. وحين تبدأ في قراءة الرواية بتسلسلها -الشريط الأول- وجوه الشخصيات، والرجال الذين حاولوا استمالة الفتاة واحدة تِلوَ الآخر، شعورها وهي تقرأ الوثائق، ثم المستندات السرية الأخرى. مكتب رئيس القسم، التعديلات التي تضعها الفتاة على المستندات البنية، المقهى، الطبيب الدميم المرتبِك أمام جمال الفتاة…. الخ. كل شيء في هذه الرواية يستدعي القراءة المتأنية لتعيش تفاصيل التفاصيل. بذكاء؛ تمكن حجّي من رسم تفاصيل التفاصيل، وإيقاد خيال القارئ ليرى القصة متمثلة أمامه.

يبقى كل ذلك على حدة، ثم تأتي النهاية التي قلبت كل شيء، النهاية غير المتوقعة للقصة، والتي أخرجتها من السردية إلى مفاجأة القارئ. شعرت أنه مهما تشابهت القصص في بدايته فليست كل النهايات متشابهة.

“فالنهايات التي نختارها وهمٌ كبير. العِبرة دائماً بالنهايات التي تختارنا.”

فكرة واحدة على ”لعبة المغزل

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s