عزيزي أمبيرتو (الرسالة الثاني عشرة قبل الأخيرة)

“أهلاً يا عزيزي”. ترحيبتي الأولى بِك حين التقينا مساء الثلاثاء في الحانة التي اخترتها قرب مكان عملي. 11 كلم و 7 ساعات عمل، كانت المسافة التي تفصِل بيننا وذلك اللقاء، دون أن أتذكر متى كانت المرة الأخيرة التي التقينا فيها ويهتزّ كل شيء فيّ هكذا. أذكر أنني تحدثت كثيراً ليلتها عن كل شيء، وسألتك عن كل شيء، كأنني أردت طيّ السنوات السابقة في أربع ساعات تُشبِعني للسنوات القادمة. أخبرك بين حكاية وأخرى “أسكتني حين تصبِح الحكاية مملّة”، ولا تفعل. ككل المرات التي أكرر فيها الطلب ذاته، حين أتكلم باندفاع فيما تأخذني عيناك إلى أماكن أخرى، وقصة أخرى.

ذات يوم؛ قرأ مؤازر بيتاً شعرياً لمحمد عبدالباري، وتساءل عن النص الشعري العالق في ذاكرتنا. تذكّرت: “وعيناك داري ودار السلام”، ذلك البيت العالق في رأسي منذ سبتمبر الماضي دون سبب. فهِمت الآن، إنها عيناك. عيناك التي أخبرتك مرة أنني أحب التجاعيد حولها حين تبتسِم لي هكذا، دون سبب. تبتسم، فتُخلق خطوط حول عينيك ويرفّ لها قلبي.

التقينا هذه المرة يا أمبيرتو مختلفين عن السابق، مختلفين عما كنّاه في سنواتٍ مضت. لم يحاول أحدٌ منا إبهار الآخر. جئنا بصفحات ممتلئة ماضٍ وخالية من توقعات مستقبلية. ابتأدتَ رحلتك مبكراً، ككل البدايات التي قررناها مراتٍ معاً، ولم أكمِلها معك لأنني كنت جبانة بالقدر الذي لم يُفقِدك الثقة فيّ. جمعتنا طرُقنا صدفة -ربما- مرة أخرى، في الوقت الذي تخلّينا فيه عما كنا نريده، أو ما ظننا أننا كنّا نريده. وجئنا؛ مشبَعين دفعة واحدة بأشياء أخرى.

جئتني هذه المرة “أمبيرتو” الذي يسير بلا خطط أو جداول. سؤالي إياك كل ليلة أصبح مضحكاً “ماذا ستفعل غداً؟”، أسألك عن وجهتك ما بعد القادمة، وترد بأبسط ما يكون: لا أدري! كيف لا تدري؟! لأنني لا أدري. وتنسى، أنني التي تريد -دائماً- أن تدري ماذا يحدث، وما الذي سيحدث. حدّثتك كيف أنني ابتعتُ تذكرة سفر ذات وجهة واحدة، ولم أكررها ثانية. تبتسِم، وتخبرني أنك تفعلها دائماً. أخبِرك بخططي للسنة التي حدّثتك عنها، وتضحك بثقة على تلك التي لا تفتأ تُقحِم عقلها واستراتيجياتها في كل شيء، تهزّ رأسك وتخبرني أن ذاك سيتغير تماماً، وسأتغيّر أنا حين تبدأ رحلتي.

قائمة الأشياء التي لم نجِد الوقت الكافي لأن نفعلها سوية. القرود التي كانت تُطالِعنا في الحديقة المجاورة فيما نقشّر المانجو بأيدينا ونلتهِمها دون تقطيع، مجرى الماء الذي قفزت فيه بعد ساعات تحت الشمس، والطِفلة التي فزِعت مني حين رأتني حافية وأنا أطلب منها حذائها، الموسيقى التي جعلتنا أخيراً عائلة واحدة. ثم النقاشات التي لا تتوقف حتى تصبِح عيني خطّين متوازيين.

التقينا هذه المرة بأفكار أكثر جنوناً. شعري الذي أخبرتك أنني أردته قصيراً جداً لسنوات، حدَث ذات مساء مجنون قضيناه معاً. وشمُك الأول الذي أردته منذ سنوات، لم يحدث إلا بعد طمأنتك. كل الأشياء المؤجلة حدثت في الأيام الأربع التي كُنتها هنا، وكل الأشياء المُدهِشة مازالت تحدث كل ليلة، وستُحدث عما قريب. لم تُرد أن تغادر هذه المرة دون أن تمنحني قطعة منك، ولم أرِد أن تكمِل رحلتك دون قطعة مني. ومازلت ياعزيزي لا أصدِّق كيف خلِقت تذكرة سفر إليك، في لحظة شوق، لا أكثر.

وفي القلب، موسيقى يخفِق لها القلب كلما التقت أعيننا.

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”عزيزي أمبيرتو (الرسالة الثاني عشرة قبل الأخيرة)

  1. مبدعه يا اسماءكالعاده
    انا متابعتك من سنوااات ولا فاهمه لم الرسائل ومن هو امبيرتو؟!!
    تستحق الرسائل ان تنشر في كتاب

    “لا اصدق كيف خلقت تذكرة سفر إليك “😩💔

    Liked by 1 person

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s