Ubud كما لم أرها من قبل

كانت الزيارة الأولى لها قبل عدة سنوات، في رحلة سياحية قصيرة لم أرَ منها سوى مزرعة القهوة Coffee Luwak وغداءً في مطعم مطلّ على مزارع الأرز. هذه المرة، 5 أيام قضيتها بالكامل في Ubud، ورأيتها بعينٍ مختلفة، كما تستحق.

منذ زيارتي الأولى إلى جزيرة بالي، كنت أعلم أنّ بها شيئاً ما يدعوا إلى الراحة، شعور مختلف يظلل المكان ويبعث على السكينة. استشعرتها أكثر هذه المرة بما أننا لم نكن في Nusa Dua أو Kuta الخانقة بالسوّاح والزحام. قد تكون Ubud غارقة بالسواح في أجزاء كثيرة منها، لكنها أخفّ من تلك المناطق. قررت زيارة Ubud هذه المرة دون البحث عن أهم المزارات فيها، ظننت أنني أعرفها من زيارتي الأولى. كانت أجندة مختصرة، مجرد المشي في شوارعها، وربما رحلة قصيرة ليومٍ واحد إلى شاطئ قريب.

3

الثلاثاء؛ 17 أكتوبر: وصلت في رحلة متأخرة (كالعادة) من مطار كوالالمبور الممتلئ بمجموعات السوّاح الصينيين في كل بقعة منه. آثرت حمل حقيبتي اليومية مذ بدأت المشي يومياً كتحدٍ آخر، السفر القصير بأخفّ مما يكون. حزمت حقيبة أصغر من المعتاد في سفرياتي لتحوي: 7 قطع ملابس، أدوات للعناية الشخصية (toiletries)، كتابين (استغنيت عن إحداهما في الأخير)، شبشب، و Sarong ليكون وشاحاً أو غطاءً لما بعد السباحة.

رفيق الرحلة القصيرة هذه المرة كان مرسى فاطمة للصديق حجي جابر، كعادة جديدة بدأتها مع هذه الرحلة، بأن أجلب معي قطعاً من أصدقائي وأستودعها في أحب الأراضي إليّ.

الأربعاء؛ 18 أكتوبر: أخبرني هاني أننا سنمشي بداية اليوم إلى حديقة أو مرتفعٍ ما. كان يوماً مطيراً، بدأناه بين تلك اللحظات التي يخفّ فيها المطر لعشر دقائق حتى ينهمر مرة أخرى. اتخذنا مساراً صغيراً بين البيوت الشعبية الصغيرة، وسرنا حُفاة. لا أجمل من ذلك الشعور الذي تلتقي فيه قدماك بأرضية مبللة وكأنّك تتعرف للمرة الأولى إلى المشي خارج البيت دون أي شيء، ودون أن يحول بين جلدك والعالم شيء آخر. الأرضية المبللة الباردة، الوقوف ملتصقين بجدار بيتٍ ما بعد اشتداد المطر، والطين المتكوّن على أطراف الممرات، ثم الجميع حولنا والذين يمرّون إلى جوارنا، وينظرون إلينا مباشرة -إن لاحظونا- كمجنونين يسيران في القرية.

بعد أن قطعنا شوارع صغيرة ومررنا بأماكن أخرى، انحرفنا إلى ناحية من منعزلة من القرية، مسارات صغيرة تبدأ بصوتٍ قوي للماء الآتي من منحدر يبدو أنه شلال أو نهر جاري. أصبح المشي أسهل هذه المرة مع حجارة أقل، وطينٍ وحشائش أكثر. في ممشى Campuhan Ridge path صعدنا هضبة مطلّة على مزارع أرز وأشجار أخرى لا أعرف أسماءها. السحب المنقشعة للتّو، والأجواء التي المنعشة بعد توقف المطر. هدوء لم أعهده من قبل.

فوجئت أننا بعد المشي ذلك سنقيم في مكان ما أكثر انعزالاً وهدوءاً، أقرب إلى الطبيعة، وأقرب إلى الغابة التي كنت أتخوّف منها كثيراً. مدهش أن تجلس في مكان ما ولا تسمع أي شيء سوى أصوات طيور، وحشرات لا تراها. كنت أظنّ الغابة هادئة وصامتة، لكنها ممتلئة أصوات، معزوفة وراء أخرى وكأنها أوركسترا مدروسة، تبدأ مجموعة وينتهون معاً بصوتٍ متناغم من نقطة ما في الغابة، لتردّ عليهم مجموعة أخرى في الجهة المقابلة. يُظلم المكان بالكامل في الليل، ولا نرَ في الخارج سوى أضواء بعيدة، وسماء غير مظلمة بالكامل. ماتزال المعزوفات قائمة بعيداً. أذكر أنني علّقت مرة: تخيّل! لم نشغّل أي موسيقى هنا. صوت الطبيعة ممتع. ويكفي. تجربة جديدة أخرى؛ النوم بنوافذ مشرعة بالكامل، بالأصح، جدار كامل لم يكن متواجداً في العلّية، حتى الستائر كانت مُشرعة.

1الخميس؛ 19 أكتوبر: تبدأ المعزوفة متدرّجة منذ الرابعة والنصف أو الخامسة، تشتدّ وتعلو مع أول خيوط الشمس. كنت أصحو بلا منبّه، وعلى أصوات أجمل؛ أصواتٌ أجهل أي حيوانٍ أو حشرة تُصدرها. لون السماء الذي يتغير تدريجياً مع ارتفاع الشمس كل دقيقة كمنظر سيريالي. أراقبها من مكاني مع هواءٍ خفيف يعبُر المكان. هذا إذاً ما يسمّونه نسماتِ الصباح!

سِرنا في شوارع Ubud إلى أماكِن زارها هاني من قبل، نزولاً إلى التي تعجّ بأكبر عدد من السوّاح. كل زاوية في القرية يحكي قصة، كل ركن فيها لوحة فنّية تتسامق فيها الطبيعة مع الأعمال اليدوية المحلية. محلات الفضة والأحجار، محالّ المنسوجات، وأركان الفنانين الذين يصنعون لوحاتٍ بديعة، ومجسمات من خشب الماهوجني إحداها كان بيضاً مفرّغاً يرسمون خارجه أشكالاً ورسومات مستوحاة من حياتهم والروحانيات المحيطة بهم في كل مكان. بعد المشي ساعاتٍ تحت الشمس، توقّفنا عند Tukies محلّ صغير مخصص لمنتجات جوز الهند، كل شيء يُباع فيه أصله من جوز الهند. سكّر، زبدة، زيوت، كعك وحلويات.. والأهم، آيسكريم آتٍ من الجنة.

الجمعة؛ 20 أكتوبر: فكرة أخرى أبهرتني عندما حكاها لي هاني من قبل، 9Angles كمطعمٍ صغير تغذّي فيه روحك وجسدك معاً. يقدّم وجباتٍ نباتية مسعّرة مسبقاً، كل ما عليك هو حساب قيمة ما أكلت ووضعه في الجرّة الزجاجية الصغيرة على الطاولة. في ركنٍ منه؛ كتب تُرِكَت ممن زاروها سابقاً لمن يريد استعارتها أو أخذها بمقابل أو بدون، وفي ركن آخر ملابس تُركت لمن يحتاجها. هناك مَن يتركون أعمالهم اليدوية ومنتجاتهم بأسعار رمزية ولكَ أن تترك قيمتها في الجرة ذاتها.. جزء آخر كبير من المكان لمن يريد التدرّب على آلة موسيقية معينة أو يعرض شيئاً من معزوفاته.

السبت؛ 21 أكتوبر: إحدى الصباحات المُنعِشة خلال الرحلة، مع الشمس التي توقظنا عِوضاً عن المنبّهات. قهوة الصباح في ركنٍ هادئ من البيت مطلٍ على الغابة وكأنك جزء منها. الرحلة القصيرة إلى الشاطئ التي أردتها بكلّ مافيّ لم تحدث، يحدث كثيراً ألا يقبل سائقوا التاكسي الذهاب إلى مسافات أبعد من نصف ساعة، أو أن يفاوضك سائقوا Uber و Grab بأسعار أكثر مما يضعه التطبيق.. قررنا المشي مرة أخرى في الشوارع التي لم أرها، ثم آيسكريم Tukies مرة أخرى.

الأحد؛ 22 أكتوبر: بين الصباح الهادئ لليوم الأخير لي هناك، والخطط التي لم تحدث، كان يوماً أقصر من أن يحدث فيه أي شيء.

يوماً ما سأعود هناك مرة أخرى، لمدة أطول. 5 أيامٍ لم تكن كافية لاستيعاب القرية بأكملها، ورؤية كل شيء جميلٍ فيها. القرية بطيئة، يسير كل شيء فيها ببطء لم أعهده في زحام كوالالمبور وعجلتها. من الممكن أن تسير مسافاتٍ ومسافاتٍ بغير هدى وتتوقف ساعات في ركنٍ ما لأنّ شيئاً ما يدعوك إلى ذلك. خلال سيري؛ فاجأتني كمية المنادين بـ”تاكسي” في كل زاوية، يحدث أن تسير عشر خطوات وتسمعها ثلاث مراتٍ على الأقل!. لم يكن هناك وقت كافٍ أقضيه لجلسات الـyoga التي عُرف بها المكان، وتنتشر فيه بكثرة مقارّ له، أغلب ما رأيت مخصص للسوّاح وغير المحليين بالطبع. كان يكفيني خلال الرحلة جلسات التأمل التي استطعت عبرها التغلغل إلى ذاتي.

فكرة واحدة على ”Ubud كما لم أرها من قبل

اترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s